البطالة بعيون شاب صويريّ عاطل عن العمل.. وهكذا يرى “مسار الثقة” مداخل الإصلاح  

رشيد شيبوب، عاطل عن العمل

 

بعد حصوله على إجازة في القانون من جامعة ابن زهر بأكادير، لم يجد رشيد شيبوب، 40 سنة، فرصة عمل مناسبة، فاختار الاعتماد على نفسه، وخوض غمار العديد من المجالات غير المهيكلة.

ما يزال رشيد، المقيم بمدينة الصويرة، بدون عمل قارّ لحد الساعة، ويقول بهذا الخصوص إن مدينة صغيرة من هذا النوع تعتمد حصرا على أنشطة بعينها، وخاصة السياحة، بينما الشباب لا يجدون مجالات أخرى للعمل.

يصل معدل البطالة بإقليم الصويرة إلى 9.7 في المائة، بينما يصل المعدل نفسه على الصعيد الوطني إلى 9.8 في المائة. وتمس هذه الآفة فئة الشباب أكثر، إذ أن أكثر من ثلثي الشباب عاطلون عن العمل. ومن المفارقات أن الحاصلين على الشواهد هم الأكثر عرضة للبطالة.

“هناك العديد من الأفواج المتخرجة من مدارس السياحة، لكنها لا تجد فرصا للعمل، خاصة وأن ظروف العمل تكون مجحفة في الكثير من الأحيان”، يقول شيبوب، مشيرا إلى تجمّع للمطاعم التي تستقبل السياح بالمدينة العتيقة.

ويشرح هذه النقطة بالقول إن عددا من الشباب حاملي الدبلومات في مجال السياحة يضطرون للعمل مقابل أجور زهيدة، وفي غياب لأي عقد عمل أو تغطية صحية (النْوَارْ)، مضيفا أن الطابع الموسمي لهذا المجال يجعل مسيّري هذه المحلات يختارون الاعتماد على بعض العمال خلال فترة معينة من السنة، والتخلي عن خدماتهم بعد ذلك.

ويقترح بهذا الخصوص أن تشدّد الحكومة الرقابة على هؤلاء، حتىّ يلتزمون بمدونة الشغل، ويفرون ظروف عمل أفضل للشباب.

وحاول شيبوب، خلال لقائنا به بسوق الرحبة، وسط المدينة العتيقة، رسم صورة تقريبية عن واقع الولوج لسوق الشغل بالنسبة لفئة من الشباب، خاصة أنه راكم تجربة لا بأس في العمل الجمعوي الميداني.

“الشباب المنحدرون من عائلات معوزة، لا يجدون الإمكانيات لمتابعة دراستهم الجامعية، نظرا لغياب أية جامعة بالإقليم، الشيء الذي يؤدي بهم إلى توقف المسار الدراسي، والشروع في رحلة البحث عن عمل”، يقول، بينما كانت فرقة موسيقية محلية تحاول إثارة اهتمام بعض السياح عبر العزف على آلات البانجو والدف و”الناقوس”.

حسب شيبوب، فإن للتكافل العائلي دورا أساسيا في الحفاظ على التوازن، إذ كان الوضع ليكون أسوأ. فالعائلات، حتى وإن كانت معوزة، تستمر في إعالة أبنائها العاطلين عن العمل أو الذين يعملون بشكل غير قارّ.

 

الهجرة.. حلم يراود الشباب

يقول شيبوب إن انسداد الأفق أمام العديد من الشباب يجعلهم يفكرون في الهجرة، خاصة أن العديد منهم، بحكم احتكاكهم اليومي بالسياح، يتقنون العديد من اللغات. كما أن شبابا أخرين، فنانين ورياضيين، يفضلون بدورهم الاستقرار في المهجر، والعودة بعد سنوات للإشراف على مشروع بالصويرة.

لكن ما الذي جعل شباب إقليم الصويرة يركزون أكثر على مجالات السياحة والصيد البحري، مقابل عدم الاكتراث بمجالات أخرى، على رأسها الصناعة؟ يوضّح شيبوب هذه النقطة، بلفت الانتباه إلى أن المنطقة الصناعية التي كان يتوفر عليها الإقليم أغلقت منذ سنوات، ويضيف أن هناك توجها للعودة مجددا إلى الصناعة، غير أن هذا التوجه يسجّل تأخرا في التنزيل.

“لا بد من إعادة هيكلة الحي الصناعي بالصويرة، لتوفير مئات فرص الشغل للشباب، ولتشجيهم مجددا على اختيار التخصصات التقنية، والانفتاح على التكوين المهني”، يبرز المتحدث ذاته، مقترحا أيضا بناء مناطق صناعية بالجوار.

 

تصوّر الأحرار لمحاربة البطالة

يقدم “مسار الثقة” تصورا خدماتيا ممنهجا لمحاربة البطالة، يقوم على ثلاث دعائم. وهي المزج بين مهارات ذكاء الاعتماد عن النفس، وبين التطور في مجال التكنولوجيا الحديثة. ثم إعادة تهيئة التراب الوطني لإخراج المناطق شبه الحضرية من محنتها وخلق مراكز متعددة الوظائف كفيلة بخلق فرص الشغل وضمان العيش الكريم للساكنة. إلى جانب تثمين التراث والإبداع المغربي.

ففي مجال الصناعة، يطالب “الأحرار” بتنزيل الاستراتيجيات الصناعية القطاعية على المستوى الجهوي، وفقا لخصوصيات ومؤهلات كل جهة. ويطالب أيضا بتفعيل إحداث مناطق صناعية جهوية متخصصة، قصد تيسير استئجار العقار بأسعار تنافسية. وتجاوزا لما قد تشكله التفاوتات المجالية من عوائق، خاصة من حيث البنيات التحتية الطرقية، سندعو إلى تكفل الجهات أو صندوق التضامن بين الجهات بفارق كلفة النقل في حالة توطين الاستثمار في المناطق النائية.

 

ردّ الاعتبار للصناعة التقليدية.. تراث عمره ألف سنة

وإذا كان هناك سببا موضوعيا يجعل فرص الشغل في المجال الصناعي جد محدودة بإقليم الصويرة، فلماذا لا يفضل العديد من الشباب تعلم الصناعة التقليدية؟ فالمنطقة تتميز بخشب العرعار وبالحلي الفضية، ومنتجاتها معروفة على الصعيد العالمي.

يجيب شيبوب باقتضاب : “لسبب بسيط هو أن جزءا كبيرا من شباب اليوم لا يهتم بالصناعة التقليدية. وهو أمر مؤسف في نهاية المطاف”، ويضيف أن الحكومة مطالبة بإعطاء إشعاع للصناعة التقليدية ومساعدة الحرفيين على فتح أسواق جديدة لها داخل المغرب وخارجه.

بهذا الشكل، ستصبح الصناعة التقليدية، حسب المتحدث نفسه، من بين المجالات التي تثير اهتمام الشباب حديثي التخرج، الشيء الذي قد يساهم في تخفيف عبء البطالة عن الإقليم.

 

السياحة والصناعة التقليدية.. مجالان أساسيان بالنسبة لـ”الأحرار”

يوفر قطاع السياحة حوالي 2 مليون ونصف منصب شغل مباشر وغير مباشر. ويلتزم “الأحرار” بتعزيز الاستدامة لمداخيل هذا القطاع، من خلال تطوير منتوجات سياحية جديدة، قصد تحسين العرض والحد من الارتهان للأسواق التقليدية.

يراهن “مسار الثقة” على العديد من الإجراءات للرقي بقطاع السياحة وبظروف اشتغال المهنيين. فبالنسبة للخدمة الفندقية، يقترح العديد من الإجراءات كالرفع من جودة التكوين، وخلق تخصص في المجال ابتداء من السلك الثانوي، وتحفيز الكفاءات المتخصصة للحيلولة دون هجرتها إلى الخارج. وبالنسبة للنقطة التي تحدث عنها شيبوب، المتعلقة بظروف عمل الشباب في المؤسسات السياحية، فـ“مسار الثقة” قدم تشخيصا دقيقا لهذه الوضعية، وأشار إلى أن هذه الظروف تؤثر على نفسية العاملين وتؤدي، تبعا لذلك، إلى تدهور في جودة الخدمة المقدمة.

ويقترح تسوية وضعية الفندقيين المتدربين، عبر إلزام المؤسسات السياحية بعدم قبول أي متدرب إلا بعد إبرام اتفاقية للتدريب مع مدرسته الفندقية، كما يمكن للمشغلين توظيف طلبة الفندقة بالتناوب، ليتمكن الطالب من المزاوجة بين التجربة الميدانية والشهادة.

كما يقترح “مسار الثقة”، تأهيل عددا من المهن الأخرى المرتبطة بالسياحة، وعلى رأسها الإرشاد السياحي. ويؤكد على ضرورة تنويع العرض السياحي والانفتاح على أسواق جديدة.

أما في ما يتعلق بالصناعة التقليدية، فيدعو الحزب إلى تحفيز الصانع التقليدي وتطوير هذه المنظومة حتى تتمكن من المنافسة. وبالنسبة للنقطة التي أثارها شيبوب، بخصوص عدم اكتراث الشباب بهذا المجال، فيقترح “الأحرار” إحداث أكاديمية للحرف والفنون التقليدية.

وبالرغم من عدم تمكنّه من ولوج الوظيفة العمومية، فإن شيبوب مقتنع بفكرة أن الحكومة ليست مطالبة بتشغيل جميع الخريجين. “هذه الفكرة مترسخة للأسف عند العديد من الشباب، فالكل يبحث بجميع الوسائل عن العمل في سلك الوظيفة العمومية”، يقول، مضيفا أن هذه القناعة يجب تغييرها لدى الشباب ودفعهم نحو التفكير في إنجاز مشاريع ومبادرات خاصة.