أستاذ صويريّ يشخّص أعطاب التعليم.. و”الأحرار” يقترح الحلول

سعيد لبيض، أستاذ اللغة العربية

 

بعد 24 سنة قضاها سعيد لبيض بمدارس عدد من الدواوير التابعة لإقليم الصويرة، عاد إلى وسط المدينة العتيقة، حيث يشتغل حاليا أستاذا للغة العربية بمؤسسة ابن خلدون الابتدائية، ويحمل أمالا كبيرة لتطوير قطاع التعليم بالإقليم وعلى الصعيد الوطني.

ابن خلدون هي مدرسة صغيرة تقع بين دروب المدينة العتيقة للصويرة، وتحاول، عبر الإمكانيات المتوفرة لها، توفير تعليم جيد لتلاميذ عدد منهم يعاني من مشاكل اجتماعية وأسرية.

رأى لبيض النور بمدينة الصويرة قبل 46 سنة، وقضى بها طيلة حياته، باستثناء الفترة التي أمضاها بجامعة ابن زهر بأكادير، قبل أن يعود بدبلوم في جيبه، ويشرع في تعليم أبناء المنطقة التي تعني له الكثير، أبجديات لغة الضاد.

يقول بغير قليل من الحسرة، إن قطاع التعليم، الذي يعتبر أساس كل إصلاح مجتمعي، يعاني في المغرب بشكل عام من عدد من الإكراهات. فبالنسبة للعنصر البشري، يرى لبيض أن هناك غيابا تاما للتكوين المستمر الذي لم يعد مفعّلا منذ ثمانينات القرن الماضي، إذ أن المناهج التعليمية تتغير دون أن يواكبها الأساتذة.

وبالنسبة للوجيستيك هناك ضعف في وسائل الاشتغال، التي تصبح أغلبها متهالكة دون أن يتم تغييرها. أما بخصوص الوضعية المادية للأساتذة، فيقول لبيض : “أمام غلاء المعيشة، تبقى التحفيزات المادية للأساتذة غائبة، ويظل أجرهم جامدا”.

ويواصل بسط المشاكل التي يراها مقلقة خلال يومياته كأستاذ، في لقاء مع RNI.MA بالمدرسة ذاتها، فيذهب إلى أن المناهج الجديدة صعبة بالنسبة لعدد من التلاميذ. ويعتقد بهذا الخصوص، أن التسريع بتعميم التعليم الأولي كما دعا لذلك صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، سيمكّن من الحد من هذا الإشكال، على اعتبار أن مستوى التلاميذ يبقى متفاوتا، بين من استفاد من حصص الروض أو إحدى المؤسسات المشابهة، وبين من يلج السلك الابتدائي دون أي تعليم مسبق.

وحتى بالنسبة لأساتذة التعليم الأولي، فيرى لبيض أنه من الواجب تسوية وضعيتهم وتحفيزهم على العطاء، بدل الوضعية الحالية التي تفرض عليهم تلقي مرتباتهم من جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، بدل الوزارة الوصية.

 

محاربة الهدر المدرسي في العالم الحضري.. ضرورة ملحّة

العالم الحضري ليس بمنأى عن آفة الهدر المدرسي وآثارها على الاندماج وفقدان الثقة في الذات. يقترح “مسار الثقة” لمحاربة هذه الآفة تعبئة المجتمع التربوي، لأن مغادرة المدرسة نتيجة حتمية لتراكمات شهور بل سنوات أحيانا.

فأول مدخل لمحاربة هذه الآفة هو الاستباق، فعلى المدرس أن يكون قادرا على تبسيط المضمون البيداغوجي للتلاميذ، ويجعله جذابا، ويلتقط المؤشرات الأولى لعدم الاهتمام المحتمل بالمدرسة من طرف التلميذ، كالغياب وتراجع النتائج المدرسية، والانحراف في السلوكات وغير ذلك.

أما المدخل الثاني فيكون بمحاربة الصعوبات الدراسية وخاصة في صفوف التلاميذ الذين يعانون من مشاكل اجتماعية. ومن أجل ذلك، يدعو الحزب لتقليص عدد التلاميذ داخل القسم، ولخلق المنافسة بين المؤسسات على المردودية، الشيء الذي سيرتقي بأداء المدرسة من خلال تفعيل نظام للمسارات الدراسية الفردية للتلاميذ وتقديم الدعم الدراسي الضروري لمن هم في حاجة إليه.

 

التعليم الأولي.. أُسّ مسار دراسي ناجح

يضم المغرب اليوم حوالي 2 مليون طفل في سن ما قبل التمدرس، إلا أن أقل من ثلثهم فقط من يستفيد فعليا من التعليم الأولي. من يتوفرون على الإمكانيات يسجلون أبنائهم في المؤسسات الخاصة، ومن لا يستطيعون لا يجدون حلا غير الاستغناء عن هذه الفترة الضرورية في مسار كل تلميذ.

حزب “الأحرار”، وانسجاما مع سعيه لمنح فرص نجاح متساوية للجميع، سيترافع كي يكون التمدرس حقا يستفيد منه كل الأطفال منذ سن 3 سنوات، مهما كان انتمائهم الاجتماعي والجغرافي.

تعميم التعليم الأولي سيكلف ميزانية الدولة 16 مليار درهم، ولهذا يقترح “التجمع” صيغة بديلة تقوم على استثمار دور الحضانة داخل الوسط الحضري، أما داخل المجال القروي، فيتقرح إعادة توظيف تلك المدارس الفرعية التي ستصبح غير مستغلة بفعل تشييد المدارس الجماعية، وذلك بعد إعادة تأهيلها.

 

تحفيز الأستاذ والتلميذ.. إجراءات لتحقيق منظومة تعليمية عصرية

يقترح الأحرار تقديم مضامين تعليمية اعتمادا على وسائط معلوماتية تجعل من التعلم عملية ممتعة. إن بيداغوجية من هذا النوع جديرة بأن تكون رافعة قوية لعصرنة المنظومة التربوية، وتحديثها ودمقرطتها، وأداة فعالة لإدماج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

من أجل تنزيل ذلك، يقترح “الأحرار”، تأسيس لجنة مكونة من المدرسين الذين أبانوا عن مقدرات متميزة، ومثلون الجهات الاثنتي عشر للبلاد، بمعية مكونين وعلماء نفس وعلماء اجتماع من أّجل إعداد مناهج مدرسية ممتعة ومحفزة على التفاعل.

ولتحفيز الأساتذة على العطاء، يقترح “الأحرار” مراجعة نظام الأجور الحالي، والذي أصبح متجاوزا للمدرسين في الابتدائي والإعدادي والثانوي. سيترافع الحزب لكي يتقاضى المدرس المتخرج حديثا أجرة مناسبة وكذا من أجل أن تتحكم مردوديته أكثر من أقدميته في منحى تطور أجرته. وهكذا لكي لا ينتظر المدرس إلى آخر سنوات مساره المهني كي يحصل على مستوى عيش كريم.

يواصل هذا الأستاذ حديثه، وخلفه مباشرة يخرج فوج من التلاميذ الصغار، حاملين محفظاتهم الصغيرة، ومحدثين جلبة تعلن انتهاء حصة منتصف اليوم. سينصهر هؤلاء الفتية بين دروب المدينة العتيقة، لتناول وجبة الغذاء بمنازلهم وأخذ قسط من الراحة قبل العودة إلى حصصهم المسائية.

يقول لبيض إنهم محظوظون إلى حد كبير، إذا ما قارنا ذلك بوضعية تلاميذ دواوير إقليم الصويرة، حيث قضى الرجل أزيد من عقدين داخل فصولها.

“يعاني تلاميذ المجال القروي من بعد المسافة بين منازلهم والمدرسة، بعضهم يقطع مسافة قد تصل إلى 12 كلم ذهابا وإيابا في ظل غياب لوسائل النقل المدرسي”، يوضّح أستاذ اللغة العربية، ويضيف : “كنت أشتغل بدوار سيدي أحاد أوحامد، الذي لا يفصله عن وسط الصويرة سوى 25 كلم، ومع ذلك كنت أقطع حوالي ساعة باستعمال الدراجة النارية للوصول إلى المدرسة التي أعمل بها”.

كما أن هناك غيابا للتغذية بالنسبة للتلاميذ الذين يقطنون في مناطق بعيدة عن المؤسسات التعليمية، وضعفا في الجودة بالنسبة للمدارس التي توفر هذه الخدمة.

أما بالنسبة للجانب المتعلق بالسلامة، فتبقى أهم إكراهات حسب لبيض، تلك المتعلقة بخطر الكلاب الضالة والسيارات على التلاميذ. وحتى بعض الأساتذة يخشون على أنفسهم من اقتحام المدرسة من قبل غرباء للعبث بحاجياتها وسرقة الثمينة منها.

ولم يفت لبيض الإشارة إلى مشكل انقطاع التلاميذ عن التمدرس، خاصة في العالم القروي. هذه الظاهرة منتشرة، حسبه، في صفوف الإناث بشكل كبير في سلك الابتدائي والإعدادي. ويتفاقم المشكل بالنسبة للسلك الثانوي والتعليم العالي، فالكثير من الأسر ترفض إرسال بناتها للدراسة في مراكز أو مدن أخرى، وتفضل إنهاء مسارهن الدراسي.

حزب التجمع الوطني للأحرار أشارت أرضيته “مسار الثقة” للعديد من الإشكاليات التي يعيشها قطاع التعليم على الصعيد الوطني، أو الأخرى المتباينة من منطقة لأخرى، وتقاطعت مع التشخيص الذي قام به لبيض كما يراه من داخل المنظومة.

يعلق “الأحرار” أماله على العديد من الحلول، وعلى رأسها رفع معدل سنوات الدراسة، ومحاربة الهدر المدرسي، فهذا المعدل لدى من هم فوق 25 سنة لا يتجاوز 4.4 سنوات، مقابل متوسط مرتقب يقدر بـ11.6 سنوات، الشيء الذي سيؤدي إلى رفع الناتج الداخلي الخام بـ1 في المائة عند تدارك كل سنة من هذا الفارق.

 

المدرسة الجماعية.. حل نموذجي للهدر المدرسي بالعالم القروي

يدافع الحزب عن تعميم نموذج المدرسة الجماعية، كحل أثبت فعاليته في محاربة الهدر المدرسي بالعالم القروي، وفي ضمان تعليم جيد للمتعلمين بفضل تأطير بيداغوجي ملائم.

إذ أن هذا النموذج يضمن للتلميذ الولوج لمدرسة المعرفة، عوض بقاءه حبيس أقسام مهمشة. وبناء عليه، يقترح الحزب تجميع تلاميذ جماعة قروية معينة في مدرسة واحدة تستجيب لمعايير عالية الجودة، مما يكفل تركيز المجهودات المشتتة حاليا بين المدارس وفروعها المتعددة.

وسيتيح هذا النموذج توظيفا أمثل للموارد المتوفرة على مستوى كل جماعة، من خلال التعيين في منطقة محددة، وتمكين التلاميذ من شروط تمدرس جيد.  ومن جهة أخرى ستتيح المدرسة الجماعية نسبة تأطير بيداغوجي يستجيب للمعايير دون حاجة إلى مزيد من المدرسين.

ولكي يكون هذا النموذج ناجحا يجب تعميم النقل والإطعام المدرسيين على جميع التلاميذ في العالم القروي من الابتدائي إلى الإعدادي، عوض الإكثار من الداخليات، فالهدف هو إبقاء الطفل في وسطه الأسري والحفاظ على توازنه وانفتاحه مع تجنيبه الهدر المدرسي.

وسيطالب الحزب في تدبير وتمويل هذه المقترحات على آلية للشراكة مع المجالس الإقليمية والجماعات المحلية، بناء على المقتضيات التنظيمية المحددة لصلاحياتها.

ويقدر عدد المدارس الجماعية التي يجب توفيرها اليوم من أجل تغطية مجموع الجماعات القروية ما يناهز ألفا و100 مدرسة. وينبغي أن تحل هذه المدارس محل المؤسسات الابتدائية الموجودة حاليا في حالة متردية، والتي يصل عددها قرابة 3 آلاف مدرسة، بالإضافة إلى 13 ألف فرعية. أما الألف و700 مدرسة ابتدائية التي توجد اليوم في حالة جيدة، فيجب التفكير في تأهيلها لتتحول مستقبلا إلى مدارس جماعية ثم في مرحلة ثانية إلى إعداديات أو ثانويات للاستجابة للطلب التربوي المتزايد عليها بفعل التحول الديمغرافي.