البيان الختامي نداء شباب الأحرار

التأم شباب الأحرار في جامعتهم الصيفية في دورتها الثانية المنعقدة بمراكش يومي 21 و 22 من شتنبر الجاري لسنة 2018، تحت شعار لنبني جميعا مسار الثقة”إسهاما في مسار سياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، يمتد لأزيد من أربعين سنة من التواجد الفاعل في الساحة الوطنية، راكم خلالها تجارب خصبة على مستوى الكم والكيف، تجسدت من خلال كل المبادرات والاختيارات و السياسيات العمومية التي أسهم في بنائها، أهلته منذ نشأته للاضطلاع بأدوار ريادية كمساهمة منه في بناء صرح الدولة المغربية الحديثة، وفي تعزيز ثقافة احترام المؤسسات، في إطار الخصوصية المغربية والثوابت التي أجمع عليها المغاربة منذ سالف الدهر.

ولعل أهم رهان كسبه الحزب هو ذلك الانسجام والتناغم بين الخطاب و مرجعية الأهداف السياسية، وبين الممارسة في الميدان من منطلق مغربي خالص، هو توفقه في الإجابة على سؤال الهوية المحسومة والانتماء الوطني الثابت فكرا وممارسة بدون لبس أو غموض، لينطلق بلا كلل أو ملل لمقارعة أسئلة العمل في جميع مستوياته. ورغم كل المنعرجات الاجتماعية و التاريخية الفاصلة ببلادنا، فقد ظل التجمع الوطني للأحرار مخلصا لذاته، وفيا لقيمه، لصيقا بقيم وأسس الدولة المغربية العريقة، ولم يجد نفسه أبدا في أي محطة من محطات تاريخ المغرب الحديث، خصوصا تلك التي تميزت باشتباكات اجتماعية قوية، أو تلك طبعت بصراعات أيديولوجية عالمية، لم يجد نفسه معنيا بتغيير منطلقاته النظرية في الممارسة السياسية، أو ملزما بتغيير بوصلته التنظيمية والسياسية، نظرا لوضوح رؤيته الإستراتيجية منذ التأسيس، في التعاطي مع الدولة ومع المجتمع، بشكل متماه مع القيم المغربية الأصيلة، ومع المرتكزات الحضارية و أيضا مع الرصيد التاريخي للمغرب الممتد لقرون وقرون من الزمان، حريصا على الحفاظ على جسر الوصل مع هذا الرصيد العريق، وعلى استمرارية الدولة، وفي نفس الوقت لم يتخلف عن الركب لملاءمة خطابه وسلوكه بالتفاعل الإيجابي مع السياقات السياسية والثقافية الجديدة، ومتصديا لكل التيارات الدخيلة على المجتمع المغربي، والتي من شأنها أن تهدد تماسك البنيات الاجتماعية والثقافة الوسطية للمملكة.

لقد ظل التجمع الوطني للأحرار إطارا سياسيا تعتمل فيه قناعات مغربية راسخة، تصون عهد المغاربة و تحفظ التفافهم حول خيارات الإنتماء الاجماعية، وفق قاعدة التوازن والاعتدال، ولم يكن في يوم من الأيام شاردا عن المشاركة والمساهمة في البناء، أو عنيدا غير متفهم لسيرورة وقوانين التاريخ في تشكيل المؤسسات بالتدرج واللين والإنصات. كما لم يجد التجمع نفسه يوما من الأيام في موقف المتفرج حول مشاكل الوطن والمواطن، مادا يده إلى كل محبي المغرب، الحريصين على مصلحته وعلى صيانة ثوابته و مساهما في بناء مؤسساته من منطلق تكريس الحريات والحقوق الإنسانية من خلال الاختيار الديمقراطي، ذلك الاختيار الذي لا يشكل وصفة سحرية قابلة للتطبيق بشكل آني مرتجل، وإنما معتبرا أن البناء الديمقراطي سيرورة ممتدة عبر الزمان ولأجيال متعددة، وفق نسق تدرجي يحترم تطور الذهنيات، ويقيس الأولويات والمستعجلات الاجتماعية بمقياس السلم والاستقرار، فلا يقبل العقل، بأي حال من الأحوال أن ينحصر بناء الدول والأمم في جيل واحد.

لقد تميزت هذه الدورة من الجامعة الصيفية لشباب الأحرار بالكلمة الافتتاحية للأخ عزيز أخنوش رئيس الحزب، والتي أبرز فيها من جديد تموقع الحزب في صف المواطن، من منظور ضرورة مواصلة العمل والاجتهاد من أجل مقاربة هموم المغاربة، وعلى رأسهم فئتي الشباب والنساء، بما يمكنم من مساحاتهم الطبيعية والشرعية في تملك حقهم الإنساني في الوجود بكرامة وشرف. لقد كان حرص الأخ عزيز أخنوش جليا عندما أكد مرارا خلال مداخلته، على أهمية الإعتناء بالشباب كأولوية مرحلية قصوى، كوقود إنساني محرك للتنمية داخل فضاء حر وكريم، مستحضرا الخطابين الملكيين الأخيرين في مناسبتي عيد العرش وثورة الملك والشعب الناظمين لإيقاع مرتفع نحو بناء إجتماعي متجدد.

وعلى هذا الأساس لم يكن من الممكن أن يفوت الأخ الرئيس الفرصة، لتناول الدينامية التي يعرفها المجتمع المغربي، بشكل يؤشر على إيجابية وحيوية مختلف الشرائح الاجتماعية في المشاركة في جميع الملفات العمومية، عبر نقاشات مستفيضة وغنية في مختلف فضاءات التداول العمومي للأفكار والآراء، مشددا في نفس الوقت على قيمة التميز بالاعتدال في الحوار والجدال العمومي، والتقيد بخصال النبل السياسي، وفق معايير التسامح و الوسطية، بدون مغالاة أو تطرف أو عنف لفظي، قطعا مع الخطاب التيئيسي، خطاب التشاؤم غير المثمر، خطاب تدمير الذات وتثبيط العزائم والهمم.

كما شكل خطاب الثقة في المستقبل وفي قدرات البلاد وفي أبنائه وبناته، محورا غزيرا في توجيه الأخ الرئيس. وفي هذا الصدد، نوه بكل المجهودات التي يقوم بها شباب التجمع كبنية موزاية للحزب، مثمنا عاليا منسوب تفاعلهم و انخراطهم في عمل الحزب تنظيميا وتأطيريا للجماهير، ومشجعا على مزيد من التعاطي والقرب من المجتمع، لخلق وعي جماعي تكتنفه الرغبة في المشاركة في حل مشاكل المواطن اليومية، وعلى رأسها قضايا التعليم والتكوين والتشغيل والصحة، موجها نداء أخويا إلى كل شباب البلاد للانخراط الجدي في الحياة السياسية، وعدم فتح المجال أمام تجار العواطف و النقد المجاني الهدام لكل المجهودات ولكل من يخالفهم الرأي، موجها النصح للجميع بمد الأيادي لكل غيور على مصالح الوطن والمواطن بعيدا عن المزايدات السياسوية غير المنتجة لأي قيمة مضافة للإنسان المغربي.

لقد شكل فضاء الجامعة الصيفية بمراكش في دورته الثانية لهذا العام، حلقة وصل بين مختلف الأجيال، و بين مختلف جهات المملكة من شمالها إلى صحرائها، بهاجس الإقبال على المعرفة السياسية برغبة منقطعة النظير، تعطي الأمل و الطمأنينة في المستقبل. مثل هذا الملتقى الشبابي أيضا فضاءا عموميا وطنيا لتبادل الخبرات والأفكار؛ للتشاور والقراءة الجماعية التي تمتد من عمقنا التاريخي وتستوعب الحاضر من أجل المستقبل؛ للتفاؤل والتنافس من أجل خلق التصورات والرؤى؛ للاستفادة من تجارب المخضرمين في الحزب عبر مختلف محطاتهم في بناء التنظيم؛ للاستماع إلى المعاناة التي تخيم في مناطق عدة؛ لمزيد من الارتباط بالشأن العام؛ لطرح الأسئلة ومحاولة وضع منهجية الإجابة عنها. لقد كان هذا الملتقى الوطني بمثابة فسيفياء جهوية وطنية تعبر عن الرغبة الوجدانية العميقة في العيش المشترك، وعن غنى الثقافة المغربية وصمودها أمام المحاولات اليائسة لزحف أفكار التشتيت وقطع الأرحام والأوصال، وتعبيرا صادقا عن الانتماء وعن رغبة الحوار والتداول بكل حرية وصراحة. إلى جانب ذلك كله، كانت الدورة درسا شاملا عميقا نظريا و عمليا للممارسة السياسية في بلادنا، من منظور تراكمات حزب التجمع الوطني للأحرار، أطر حلقاته ونقاشاته ثلة من خيرة أطر التنظيم، منفتحين على باحثين متخصصين في مختلف مناحي المعرفة .

ومن منطلق كون الفدرالية الوطنية لشبببة التجمع الوطني للأحرار هيئة موازية للحزب وجزء لا يتجزأ من تصوره التنظيمي، فإنها تعبر من جديد عن وعيها التام والعميق بضرورة الانخراط الفاعل والإيجابي بنفس استشرافي للمستقبل، لمطارحة كل القضايا الوطنية التي يهتم بها الحزب، وتعبر عن جاهزيتها الكاملة في التعبئة من أجل مزيد من رص الصف الداخلي، بما يعزز مكانة التجمع الوطني للأحرار داخل المشهد السياسي والحزبي ببلادنا، وتناشد شباب المغرب إلى الإقبال على المشاركة السياسية، وعلى نبذ خيار الحياد السلبي غير المفيد، والذي لا يلبي سوى رغبات تيارات الشعبوية العدمية القاتلة، من منظور أن العمل السياسي مستمر، إذا لم يمارسه الشباب بوعي فسيمارس عليهم دون إرادتهم.

وحرصا على التفاعل مع مختلف الأفكار والملفات الوطنية المستعجلة، فإن شباب الأحرار يعتبرون أن المدخل الحقيقي لأي تصور تنموي جديد، يجب أن يرتكز على رؤية تردم ثغرات المنظومة الاجتماعية، وتلبي مطالب الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، باعتبارها منافذ لخطاب اليأس، ومسوغات للارتماء في أحضان خطاب التطرف والكفر بالوطن، يتعين المشاركة في التصدي لها وفق مقاربة اقتصادية واجتماعية ذات وجه إنساني.

ومن خلال هذا الملتقى الشبابي، الذي انصهر في انشطته أزيد من أربعة آلاف شاب من مختلف جهات المملكة، فإننا نوجه النداء إلى كل شباب المغرب، إلى الانفتاح على نظرة الثقة التي يدافع عنها التجمع الوطني للأحرار، من أجل مغرب لكل المغاربة، بدون أي حساسيات اقصائية لمواصلة بناء صرح الدولة الوطنية، و تدعيم استقرار المجتمع المغربي وفق توافقاته التاريخية، وعقد العزم على السير بروح قوية، ومسترشدين بتوجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، و مستنيرين بتراكم التجارب والمسارات والأفكار في حزب التجمع الوطني للأحرار والله المستعان وهو ولي التوفيق، من يتوكل عليه فهو حسبه.