كلمة صلاح الدين مزوار أمام الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة

كلمة صلاح الدين مزوار أمام الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدةالسيد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة

السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو والمعالي والسعادة

حضرات السيدات والسادة

يطيب لي في مستهل كلمتي، أن أتقدم إليكم، السيد الرئيس، ولبلدكم الصديق، بخالص التهاني بمناسبة انتخابكم لرئاسة الدورة الواحدة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، متمنيا لكم التوفيق في إدارة أعمال هذه الدورة، وتحقيق نتائج ملموسة بشأن مختلف المسائل والقضايا المدرجة في جدول أعمالها. كما أود بهذه المناسبة أن أعرب لسلفكم سعادة السيد Mogens Lykketoft عن خالص الشكر على رئاسته الموفقة لأعمال الدورة المنتهية.

كما أغتنم هذه المناسبة لأتقدم، باسم بلادي، بالشكر السيد بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة، على الجهود الدؤوبة التي بذلها لتحقيق أهداف ومقاصد الأمم المتحدة.

السيد الرئيس،

يتزامن انعقاد دورة الجمعية العامة لهذه السنة مع الذكرى الستينية لانضمام المملكة المغربية إلى منظمة الأمم المتحدة. ستون سنة من العمل الدؤوب مع المنظمة الأممية ومن الالتزام الفعلي بمقاصدها ومبادئها لتدعيم السلم والأمن الدوليين، وتثبيت خيار التنمية لصالح كل شعوب ودول المعمور لاسيما النامية منها.

وقد كان الانضمام إلى المنظمة الأممية، كأحد أول القرارات السيادية للمغرب فور استعادته لاستقلاله، تعبيرا، من جهة، عن إيمان المملكة بجدوى العمل متعدد الأطراف كأنجع السبل لتدبير الأزمات المستعصية ومواجهة التحديات الدولية المتزايدة، وتكريسا، من جهة أخرى، لالتزام المغرب بقيم التضامن الفاعل والتعاون المثمر، ولتشبثه بمبادئ الحرية والسلم.

وعليه، فإن المملكة المغربية تؤمن إيمانا راسخا بمكانة ودور الأمم المتحدة، باعتبارها إطارا مرجعيا للقيم الكونية، ومبادئ الشرعية الدولية، حيث لم يتوان المغرب منذ انضمامه إلى هذه المنظمة عن العمل جاهدا على الإسهام في بلوغ أهدافها. وقد حرص المغرب في هذا الإطار على تبني مقاربة مندمجة ودينامية تشاركية من خلال ملاءمة أولوياته الوطنية مع أولويات أجندة الأمم المتحدة.

ويظـل تحقيـق السـلام فـي صلـب المهام التـاريخيـة للأمـم المتحـدة، بنـاء علـى مبـدأ الحـل السلمـي للنـزاعـات الدولية والإقليمية، واحتـرام سيادة الدول ووحدتها الوطنية، واستقـلالهـا السيـاسـي، ووحـدتهـا التـرابيـة، طبقـا لمقتضيـات ميثـاق الأمـم المتحـدة.

وبـاعتبـارها شريكا ملتزما ومسؤولا فـي عمليـات حفـظ السـلام الأمميـة منذ انطلاقها في بداية الستينات من القرن الماضي، تحرص المملكة المغربية على المساهمة في هذا المجال بشكل مكثف ودائم، كعربون على الإيمان الراسخ بأهمية الأمن الجماعي، وبالدور المحوري الذي تلعبه الأمم المتحدة في هذا المجال. والمغرب، الذي شارك في عمليات حفـظ السـلام في أفريقيا وأمريكا وآسيا بنحو مائة ألف جندي، يساهم اليوم في عمليتين لحفظ السلام في إفريقيا، بأكثر من 1600 من القبعات الزرق.

وارتباطا بذلك، يتعين على المنتظم الدولي العمل بشكل دؤوب على استتباب الأمن والسلم في العالم، وفي إفريقيا بشكل خاص، أخذا في الاعتبار التلازم الحاصل بين التقدم الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار السياسي. إذ لا تنمية في غياب الأمن والسلم، ولا استقرار في غياب تنمية شاملة ومستدامة.  ولن تتوانى المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس في تعزيز مبادرات الأمم المتحدة لاحتواء النزاعات الجهوية في القارة الأفريقية، من خلال مساهمتها في جهود السلام الأممية، بما فيها جهود بناء السلام، بشكل يحول دون العودة إلى حالة النزاع في إطار الاحترام التام لسيادة الدول ووحدتها الترابية. ويندرج في هذا الإطار ترؤس المغرب، منذ يناير 2014، لتشكيلة جمهورية إفريقيا الوسطى للجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة.

السيد الرئيس،

منذ أن أصبحت عضوا في هيئة الأمم المتحدة، انخرطت المملكة المغربية في خلق علاقات تضامن فاعل بين أعضاء المجتمع الدولي من خلال تقوية روابط الشراكة البناءة والمثمرة بين الشمال والجنوب من جهة، وعبر تعزيز التعاون جنوب-جنوب كأولوية استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة لفائدة كل شعوب العالم، من جهة أخرى.

ومثابرة منها على جعل قضية التنمية المستدامة في محور اهتمامات المنتظم الدولي، انخرطت المملكة في مسلسل بناء وتعزيز شراكة عالمية من أجل تنمية بشرية مستدامة متضامنة. وفي هذا الصدد، تثمن بلادي برنامج أهداف التنمية المستديمة الذي تبنته الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، باعتباره التزاما سياسيا توافقنا من خلاله على أرضية مشتركة لمواصلة مسيرتنا من أجل تحقيق تطلعات الشعوب النامية التواقة للعيش الكريم.

وفي هذا الصدد، تؤكد المملكة المغربية على ضرورة العمل على تحقيق وسائل تنفيذ هذا البرنامج من خلال تأمين تمويل أجندة 2030 للتنمية المستدامة، كما تؤكد على وجوب تظافر جهود الجميع من أجل وضعه موضع التنفيذ الصحيح والفعال. فمنظمة الأمم المتحدة مطالبة بأن تكيف عملها وبرامجها بشكل يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والدول الأعضاء مطالبة من جهتها باتخاذ الإجراءات اللازمة وتبني السياسات المناسبة لتبني تلك الأهداف وتوفير تمويل كاف لها من أجل الوصول إلى تحقيقها بشكل كامل في أفق 2030.

وفي إطار جهود المملكة المغربية لتعزيز التنمية على المستوى الوطني، فإن المبـادرة الـوطنيـة للتنميـة البشـريـة، التـي أطلقهـا صـاحـب الجـلالـة الملـك محمـد السـادس، فـي مـايـو 2005، تعتبر أحـد أعمـدة المشـروع المجتمعـي للمغـرب. فهـي تنطلـق مـن منظـور متكـامـل للتنميـة، بأبعـادهـا السيـاسيـة والاقتصـاديـة والاجتمـاعيـة والثقـافيـة والأمنية والبيئيـة جاعلة الانسان في صلب اهتماماتها. وقـد حقق هـذا المشروع التنموي الوطني نتـائـج مشجعـة فـي مجـالات محـاربـة الفقـر والهشاشة والإقصـاء، وتطـويـر البنيـات التحتيـة، والتغطية الصحية وفـك العـزلـة عـن العـالـم القـروي وتشجـيـع الأنشطـة المـدرة للـدخـل.

وانطلاقا من قناعتها بالمصير المشترك، وضعت المملكة المغربية تعزيز التضامن مع الدول الإفريقية في صلب سياستها الخارجية، ودأبت على الدفاع عن القضايا الإفريقية المرتبطة بترسيخ السلم والأمن في القارة إضافة إلى قضايا التنمية ومحاربة الفقر. كما عملت على تقاسم تجربتها في مجال التنمية البشرية مع عدد من الدول الإفريقية من خلال إنجاز مشاريع للتنمية البشرية والخدمات الاجتماعية في مجالات أساسية كالتعليم والتكوين والماء والفلاحة والأمن الغذائي والكهربة والصحة، والتي لها تأثير مباشر على حياة السكان.

وفي هذا الصدد، تجدد المملكة المغربية نداءها لمنظمة الأمم المتحدة والمؤسسات المالية، الإقليمية والدولية، من أجل إعداد خطة عمل للتحول الاقتصادي في إفريقيا، وتوفير موارد قارة لتمويلها.

وبخصوص مسألة التنمية المستدامة في علاقتها بالبيئة، يتطلع المغرب من خلال استضافته للمؤتمر 22 للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ المزمع عقده بمراكش في نوفمبر 2016، إلى جعل هذا الموعد العالمي فرصة لإسماع صوت البلدان الإفريقية، على غرار باقي مناطق  العالم الأكثر عرضة للانعكاسات السلبية لتدهور البيئة وتغير المناخ.

وتحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، تظل المملكة المغربية ملتزمة وعازمة على أن تجعل من مؤتمر مراكش محطة حاسمة لتفعيل اتفاق باريس. وذلك من خلال وضع الحلول اللازمة لضمان تنمية اقتصادية مستدامة وتبني إجراءات عملية وبلورة مشاريع مهيكلة لتنفيذ الالتزامات الدولية لمكافحة تغير المناخ، وفقا لاتفاق باريس. في هذا الاطار يود المغرب التأكيد على أن نجاح تفعيل مقتضيات اتفاق باريس يبقى رهينا بتعبئة الموارد المالية اللازمة والمهيكلة بشكل جيد وبتنمية القدرات وكذا الوولوج المبسط الى التمويلات.

وفي هذا السياق، تحرص المملكة المغربية على أن يولي المؤتمر اهتماما خاصا لمصالح دول الجنوب بما فيها الدول الافريقية و الدول الجزرية الصغيرة، التي تعاني من ويلات التحولات المناخية.

وبهذه المناسبة، يوجه المغرب، الذي أودع وثائق التصديق على اتفاق باريس، نداءا لباقي الدول الأطراف من أجل تسريع مساطر التصديق على هذا الاتفاق بغرض ضمان دخوله حيز النفاذ في أقرب الآجال، كتعبير قوي عن الالتزام الفعلي للمنتظم الدولي.

ولا غرو أن المغرب سيعتمد على انخراط كل الأطراف وكل الفاعلين من غير الدول حتى يعكس مؤتمر مراكش تضامننا والتزامنا من  أجل الحفاظ على مستقبل أجيالنا الحاضرة والمقبلة.

السيد الرئيس،

وضعت المملكة المغربية القارة الأفريقية في صلب سياستها الخارجية وستستمر في تعزيز كل الجهود الرامية إلى النهوض بالتنمية بإفريقيا. وانطلاقا من رؤية مستقبلية نيرة تستند إلى معرفة عميقة بقضايا القارة، ما فتئ جلالة الملك محمد السادس، الحامل لمشعل السلام والتنمية في القارة، يقوم بمبادرات وزيارات عديدة للدول الإفريقية تستهدف بالأساس توثيق أواصر الأخوة والتعاون والتضامن بين الشعوب الإفريقية.

وفي هذا السياق، عبر جلالته في خطابه الأخير في 20 غشت 2016، بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، عن الارتباط الوثيق الذي يجمع المغرب بإفريقيا بالقول ” إن افريقيا بالنسبة لنا ليست هدفا وإنما هي التزام، من أجل المواطن الإفريقي، أينما كانوأن “مصلحة المغرب من مصلحة إفريقيا، ومصيره لا يمكن أن يكون بدونها. والتقدم والاستقرار، في نظرنا، إما أن يكونا مشتركين أو لا يكونا”.  

فإفريقيا بالنسبة للمغرب“يضيف جلالة الملك ” أكثر من مجرد انتماء جغرافي، وارتباط تاريخي. فهي مشاعر صادقة من المحبة والتقدير، وروابط إنسانية وروحية عميقة، وعلاقات تعاون مثمر، وتضامن ملموس. إنها الامتداد الطبيعي، والعمق الاستراتيجي للمغرب“.

وما قرار المغرب بالعودة إلى مكانه الطبيعي، داخل الاتحاد الإفريقي، إلا تجسيد لهذا الالتزام تجاه القارة الإفريقية، قصد مواصلة العمل على نصرة قضاياها. وبهذه المناسبة، أتوجه بخالص الشكر والعرفان لجل الدول الإفريقية التي طالبت برجوع المغرب إلى حضيرة الاتحاد الإفريقي، استشعارا منها لمكانة المغرب ودوره المحوري في إفريقيا، وكفاعل دولي للدفاع عن قضايا أفريقيا في كل المنتديات الدولية.

السيد الرئيس،

ستون سنة بعد انضمام المغرب إلى منظمتنا العتيدة، وإيمـانـا منـه بدور التكـتـلات الاقتصـاديـة الجهوية الإقليـمـيـة فـي مـواجهـة التحـديـات الاقتصـاديـة والأمنيـة والبيئيـة، حرص المغـرب علـى تـوطيـد عـلاقـات حسـن الجـوار، فـي محيطـه الإفـريقـي والمغـاربـي والمتـوسطـي. وفي هذا الصدد، ما فتئ جلالة الملك ينادي بضرورة العمل على إقامة نظام مغاربي جديد، وازن في محيطه الجغرافي وفاعل على المستويين الجهوي والعالمي، وضامن للأمن والاستقرار في المنطقة على أساس احترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها الترابية.

ومن هذا المنطلق، تفـاعـل المغـرب بكـل جـد وصـدق ومسـؤوليـة، مـع نـداءات مجلـس الأمـن الدولـي، للبحـث عـن حـل سيـاسـي ونهـائـي ومتفـاوض بشـأنـه للنـزاع الإقليمـي المفتعل حـول الصحـراء المغـربيـة، من خلال طـرح مبـادرة الحكـم الـذاتـي، التي أكدت القرارات المتتالية لمجلس الأمن بجـديتهـا ومصـداقيتهـا، كأرضيـة واقعيـة وواعـدة لإيجـاد حـل نهـائـي لهـذا النـزاع المفتعـل.

وقد جاء قرار مجلس الأمن الأخير ليعيد التأكيد على المحددات الأساسية للحل السياسي لهذا النزاع المفتعل، حيث طالب مجددا كافة الأطراف بالتحلي بالواقعية وروح التوافق، مؤكدا على ضرورة الانخراط الكامل والصادق لدول الجوار في المسلسل السياسي.

ومن هذا المنبر، يجدد المغرب استعداده لمواصلة العمل، بكل صدق وعزيمة، مع الأمم المتحدة من أجل إيجاد حل سياسي تفاوضي ونهائي، يضمن للمملكة المغربية سيادتها ووحدتها الترابية، ويكفل لسكان أقاليمها الجنوبية التدبير الذاتي لشؤونهم الجهوية في إطار الديمقراطية والاستقرار والتنمية المندمجة، وتحصين منطقة غرب الشمال الإفريقي ودول الساحل من مخاطر الانفصال والبلقنة والتطرف والإرهاب.

السيد الرئيس،

إن الذكرى الستين لانضمام المملكة المغربية إلى هيئة الأمم المتحدة، تعد مناسبة سانحة للتذكير بالتزام المملكة لجعل حماية حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات الأساسية خيارا لا رجعة فيه، في إطار استراتيجية شاملة، تروم النهوض بالعنصر البشري، وصيانة كرامته، ضمن نموذج مجتمعي ديمقراطي وحداثي.

ووفق هذا المنظور، أطلق المغرب أوراشا إصلاحية كبرى، وحقق مكاسب متقدمة في مجالات تعزيز حقوق مواطنيه وحمايتها، وخاصة تلك المتعلقة بالمرأة والطفل والشباب، وكذلك توسيع فضاء الحريات الفردية والجماعية، وفق مقاربة تضع حقوق الإنسان في صلب التنمية البشرية المستدامة.

كما عمل المغرب بجدية وصدق على تكريس هذه الرؤية المندمجة، في سائر المحافل الجهوية والدولية. وقد لعب المغرب دورا فعالا ونشيطا في إحداث آليات عمل مجلس حقوق الإنسان وتطويرها، من ضمنها آلية المراجعة الدورية الشاملة التي يعد المغرب مهندسها. كما اتخذت المملكة العديد من المبادرات بمعية شركائها داخل المجلس لتعزيز منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فضلا عن احتضان المغرب للمنتدى العالمي الثاني لحقوق الإنسان سنة 2014 الذي يترجم اعترافا دوليا بإنجازات المملكة في هذا المجال.

ولن يدخر المغرب أي جهد لجعل المبادئ النبيلة لحقوق الإنسان عنصر تقارب ووئام بين الأمم، في احترام لاختلاف وتنوع مكونات المجتمع الدولي والعمل من أجل انبثاق رؤية مسؤولة، حول القيم الأصيلة لحقوق الإنسان، بعيدا عن التوظيف السياسي المغرض لغاياتها النبيلة.

السيد الرئيس

تبنت المملكة المغربية، كعضو فاعل ونشيط في الأمم المتحدة، موقفا واضحا وحازما في المجهودات الدولية لمكافحة الإرهاب الدولي، كيفما كان مصدره أو أسبابه. كما انخرطت المملكة، بجدية ومسؤولية، في كافة جهود التعاون الثنائي ومتعدد الأطراف، على الصعيدين الإقليمي والدولي، من أجل مكافحة ظاهرة الإرهاب، مؤكدة بذلك عزمها على مواصلة جهودها من خلال السهر على احترام التزاماتها، بشكل دقيق، في هذا المجال، لمنع إعداد أو تمويل أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقا من التراب المغربي.

ويجدر التذكير في هذا الصدد، أن المغرب كان من بين أوائل الدول التي قدمت، في أبريل الماضي، تقريرا وطنيا، شاملا ومفصلا، عن تنفيذ مقتضيات القرار رقم 2253 لمجلس الأمن الدولي، الصادر في 17 ديسمبر 2015، بخصوص محاربة الإرهاب والقضاء على مصادر تمويله. وقد استعرض التقرير، بندا بـبند، التدابير والخطوات التي اتخذها المغرب تنفيذا للالتزامات المترتبة على الدول بمقتضى القرار المذكور.

وعلى المستوى الوطني، اعتمد المغرب سياسة صارمة وواضحة في مجال مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، ووضع إستراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد، تستمد جوهرها من استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وتعتمد مقاربة دينية واجتماعية وحقوقية وأمنية مندمجة.

وفي هذا المضمار، أطلق المغرب عددا من المبادرات من ضمنها مبادرة محاربة ظاهرة المقاتلين الإرهابيين الأجانب بشراكة مع هولندا في إطار المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب. ويسعى المغرب، إلى جانب هولندا، من خلال رئاستهما المشتركة، هذه السنة، لهذا المنتدى، إلى توسيع دائرة الشراكات الدولية والإقليمية لتعزيز الجهود المبذولة على المستوى العالمي لمكافحة هذه الظاهرة.

وعلى الصعيد الأممي، أطلق المغرب مبادرة لإنشاء مجموعة أصدقاء مكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة تستهدف الإسهام في خلق الانسجام المطلوب بين كل المبادرات الطوعية الهادفة إلى مكافحة الإرهاب في جميع أشكاله ومظاهره.

وعلى المستوى الإقليمي، وضع المغرب تجربته في مجال تدبير الشأن الديني رهن إشارة الدول الشقيقة والصديقة التي عبرت عن رغبتها في الاستفادة من النموذج المغربي، لتوفير تكوين علمي وديني لأئمتها، متشبع بمبادئ التعايش والانفتاح وقيم الوسطية ونهج الاعتدال. حيث أنه، كما قال جلالة الملك، في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى عشرين غشت “أمام انتشار الجهالات باسم الدين فإن على الجميع، مسلمين ومسيحيين ويهودا، الوقوف في صف واحد من أجل مواجهة كل أشكال التطرف والكراهية والانغلاق. وتاريخ البشرية خير شاهد على أنه من المستحيل تحقيق التقدم في أي مجتمع يعاني من التطرف والكراهية لأنهما السبب الرئيسي لانعدام الأمن والاستقرار“.

إن المملكة المغربية تعتقد جازمة أن الأمم المتحدة ينبغي أن تظل الإطار المركزي للمضي قدما في مكافحة الإرهاب. كما تؤكد المملكة استعدادها التام لتتقاسم مع شركائها خبراتها والممارسات الجيدة التي طورتها في حربها ضد الإرهاب، وتبقى منفتحة على أي مبادرة تروم محاربة هذه الظاهرة، علما أن مكافحة الإرهاب مسؤولية مشتركة بين جميع الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، تتطلب التزاما عالميا على تنفيذ أحكام جميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وتستلزم تبني مقاربة تعاونية وتضامنية، على المستوى الثنائي وعلى المستويين الإقليمي وما دون الإقليمي.

السيد الرئيس،

بنفس الإرادة، يواصل المغرب جهوده في مجال الوساطة والتسوية السلمية للنزاعات في محيطه الإقليمي. وفي هذا الصدد، يسرت المملكة المغربية اجتماع الفرقاء الليبين بالمغرب، ودعمت مساعيهم التي توجت، برعاية المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لليبيا، بتوقيع اتفاق الصخيرات السياسي.

إن المملكة المغربية التي تساند انبثاق حل سياسي متوافق بشأنه للأزمة الليبية، يضع حدا لإراقة دماء الأبرياء، و يحفظ لليبيا وحدتها الوطنية و سيادتها الترابية،  لتجدد من هذا المنبر دعوتها كافة القوى السياسية الليبية إلى تبني الحوار كطريق وحيد لوضع اتفاق الصخيرات موضع التنفيذ والعمل وفقا لمقتضياته بدون إقصاء أو تهميش ، بما يمكن الشعب الليبي الشقيق من تحقيق طموحاته المشروعة في الاستقرار  والوحدة الوطنية والتنمية المستدامة، في جو تسوده الحرية و الكرامة و الديمقراطية، بعيدا عن نزوعات التطرف و الإرهاب والتجزئة والانقسام.

كما لا يدخر المغرب أي جهد للمشاركة في تحقيق التنمية وإرساء السلم والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، حيث لعب المغرب دورا بارزا، من داخل مجلس الأمن، كعضو غير دائم خلال سنتي 2012 و 2013، في اطلاق استراتيجية الأمم المتحدة المندمجة لمنطقة الساحل، وهي استراتيجية تعتمد الحكامة الجيدة والأمن والتنمية في إطار مقاربة مندمجة تستهدف تعزيز الاستقرار والتنمية بهذه المنطقة.

السيد الرئيس

تعتبر المملكة المغربية أن القضية الفلسطينية تشكل أزمة جوهرية في الشرق الأوسط، ولديها اليقين أن هذه المنطقة الحساسة من العالم لا يمكن أن تنعم بسلام عادل ودائم دون تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه المشروع في إقامة دولته فلسطين، مستقلة وقابلة للحياة، وعاصمتها القدس الشرقية.

كما يود المغرب التعبير عن انشغاله العميق للجمود الذي يطبع مسلسل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، ويدعو، في هذا الصدد، المجتمع الدولي والدول النافذة إلى العمل بشكل أكثر حزما وفعالية بغية توفير الظروف اللازمة لاستئناف المفاوضات المباشرة بين فلسطين وإسرائيل، وفق أهداف وجدول زمني محددين.

إن إحيـاء عمليـة السـلام يجب أن يـتم علـى أسـس متينـة، وفقـا لضـوابـط الشـرعيـة الـدوليـة، والالتـزامـات والاتفـاقـات السـابقـة بيـن الأطـراف المعنيـة، وخـارطـة الطـريـق، ومبـادرة السـلام العـربيـة، سعيا وراء ضمان حق الشعـب الفلسطينـي فـي إقـامـة دولتـه المستقلـة، وعـاصمتهـا القـدس الشـريـف.

وستظل المملكة المغربية متشبثة بالسلام لتسوية القضية الفلسطينية، من خلال مساندتها للمبادرات الجادة الهادفة لتهيئة الظروف الملائمة، والمحفزات الواقعية، لتحقيق حل الدولتين، بما فيها المبادرة الفرنسية، ذات البعد الدولي الشامل، والمسعى المصري ذو الأثر الإقليمي الواقعي، وهو مطلب منسجم مع دعوة المغرب إلى استئناف الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لمفاوضات هادفة، تتجاوز العوامل التي أدت إلى فشلها في السابق.

إن ما تعرفه مـدينـة القـدس الشريف، مـن انتهـاكـات واستيـطـان وتهجـيـر، بهـدف تغييـر الـوضـع القانـونـي والديمغـرافـي لهـذه المـدينـة المقـدسـة يشكل انتـهـاكـا صـارخـا للمـواثيـق الـدوليـة ويتطلـب تـدخـلا عـاجـلا لكـل القـوى المحبـة للسـلام.

وفي هذا الإطار، ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس، يثير انتباه المجتمع الدولي إلى خطورة تمادي إسرائيل في مخططاتها الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والديمغرافي والديني لمدينة القدس، ويحث القوى الدولية المؤثرة على العمل على تطبيق مقتضيات الشرعية الدولية، لكي تبقى القدس، كما كانت، رمزا للتعايش والسلام بين الديانات التوحيدية.

السيد الرئيس،

بعد مرور أكثر من سبعين سنة على الوجود الفعلي لمنظمتنا الأممية، فإننا اليوم في أمس الحاجة إلى أمم متحدة متجددة قوية وفاعلة. ووفق هذا المنظور، يجدر بنا اليوم تجديد تشبثنا الصادق بمبادئ منظمتنا، والتعبئة الفعالة لطاقاتنا، لتأهيلها وإصلاحها وتقويتها، بكيفية جادة، باعتبارها الإطار الأنجع للعمل متعدد الأطراف قصد إيجاد الحلول الملائمة للمشاكل والأزمات الراهنة، وصولا إلى بناء نظام عالمي عادل ومنصف قادر على أن يضمن الأمن والسلم لأجيالنا الحالية والمستقبلية.

والسلام عليكم ورحمة الله