كلمة السيد رشيد الطالبي العلمي، في المؤتمر البرلماني الأفريقي المنظم من قبل المنظمة العالمية للتجارة بمناسبة مرور 20 سنة على تأسيسها

كلمة السيد رشيد الطالبي العلمي، في المؤتمر البرلماني الأفريقي المنظم من قبل المنظمة العالمية للتجارة بمناسبة مرور 20 سنة على تأسيسهامراكش، 8 أبريل 2015

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
حضرات السيدات والسادة
..
يطيب لي في البداية أن أعبر عن مدى سعادتي وسروري بالمشاركة في افتتاح هذا المؤتمر البرلماني الإفريقي ، معربا عن ترحيبي بكافة المشاركات والمشاركين في هذا الملتقى الدولي ضيوفا كراما في بلدهم الثاني المغرب
.
وقد زدنا غبطة واعتزازا بانعقاد أشغال هذا المؤتمر في رحاب حاضرة مراكش ، مدينة التاريخ والثقافة والحضارة ، ورمز التسامح والانفتاح ،المدينة التي عرفت تنظيم العديد من الملتقيات العالمية ، وكانت شاهدة على ميلاد عدد من المنظمات الإقليمية والدولية ، ومنها المنظمة التي نلتئم اليوم في إطارها
.
ولعل اختيار هذه المدينة لعقد هذا الحدث البرلماني الهام بعد أزيد من عشرين سنة على استضافة الجولة الأخيرة من مفاوضات الغات والتي أسفرت عن ميلاد المنظمة العالمية للتجارة ، هي إشارة لها رمزيتها البالغة ودلالاتها العميقة ، واعتراف صريح بالمجهودات التي تبذلها بلادنا على كافة المستويات ولا سيما في إرساء نظام اقتصاد عالمي أكثر نموا وأكثر إنصافا
.
والواقع أن هذا الملتقى البرلماني ببعده الإفريقي ، فضلا عن كونه يمثل فضاء لتجديد أواصر الأخوة والصداقة التي تجمعنا مع عدد من إخواننا وأصدقائنا من البرلمانات الحاضرة ، فإنه يوفر لنا فرصا سانحة لتعميق الحوار وتعزيز التشاور وبلورة رؤية موحدة بشأن التحديات والرهانات المطروحة
.
كما يفتح لنا أفقا جديدا لتعزيز أسس التعاون والشراكة الإستراتيجية القائمة بيننا ، وإرساء علاقات اقتصادية وتجارية متعددة الأبعاد ، تساهم في بناء مستقبل أفضل لإفريقيا ولشعوبها الطامحة للعيش في فضاء يضمن شروط الاستقرار والتنمية والازدهار
.

حضرات السيدات والسادة

من الواضح أن انعقاد هذا المؤتمر البرلماني الإفريقي في هذه المدينة وفي هذه الوقت بالذات والذي يؤرخ لمرور أزيد من عقدين من الزمن على إحداث المنظمة العالمية للتجارة ، ليدعونا إلى تقييم الأشواط التي قطعناها في تفعيل الأهداف المرسومة والتطلعات المتوقعة ، وكذا التساؤل حول ما تحقق على ارض الواقع ، وهل استطعنا كأفارقة أن نستثمر هذا الإطار التجاري المتميز ،والفرص المهمة التي يوفرها لنا في تأهيل اقتصادياتنا ، والرفع من تنافسية تجارتنا الخارجية ، وضمان ولوجها إلى مختلف الأسواق الدولية ، بما يستجيب لطموحاتنا في بناء مستقبل إفريقيا ، والوفاء لحاجيات وانتظارات المواطنين والأجيال المقبلة في ضمان التنمية الشاملة والمستديمة .
الواقع أنه خلال هذين العقدين من الزمن شهدت القارة الإفريقية تغيرات هيكلية، وتحولات سياسية واقتصادية عميقة ، وأصبحت أكثر ثقة في نفسها ، وفي قدراتها ، وفي إمكانياتها وفي ثرواتها المادية والبشرية
.
ولا شك ، أننا كأفارقة أصبحنا أكثر اقتناعا يوما بعد يوم بأن إفريقيا تشكل أحد الأقطاب الاقتصادية الكبرى ، بل وقاطرة للنمو و التنمية على المستوى العالمي ، وأن مستقبل العالم هو إفريقيا ، تلك القارة التي كرست فترة غير يسيرة من تاريخها خلال القرن الماضي لمحاربة الاستعمار ، ونبذ العنف ، ومحاربة مظاهر الفقر والتهميش والإقصاء ، وهاهي اليوم تتطلع إلى بناء مستقبل أفضل ليس فقط لشعوبها ، وإنما أيضا للعالم بأسره ، فحجة الأرقام شاهدة على ذلك إذ أن نسبة النمو الاقتصادي في إفريقيا هي الأكبر منذ بداية هذا القرن، كما سجل ارتفاع المبادلات التجارية للقارة الإفريقية مع باقي المناطق العالمية بأزيد من 200%، فضلا عن الطاقات البشرية الهائلة التي تزخر بها والتي يمكن اعتبارها رافعة لتعزيز البنيات الاقتصادية ، وتطوير المبادلات التجارية ، وضمان نسبة نمو مستدام
.
وعلينا أن ندرك إذن ، أن إفريقيا اليوم لم تعد فقط سوقا استهلاكية ، وإنما أصبحت أكثر قدرة على الإبداع والعطاء والمساهمة الايجابية في تطوير الاقتصاد العالمي ، وانسياب الحركة التجارية العالمية في أوسع صورها
.
وفي هذا السياق، نود التأكيد على النظرة المتعددة الأبعاد لنجاح إفريقيا في إرساء بنياتها الإنتاجية والتي لن تكون لها فضائل ومزايا على المستوى الاقتصادي والتجاري فقط بالرغم من أهميتهما ، بل ستشكل حصنا منيعا لضمان السلم والأمن والاستقرار ، ومجابهة التحديات الأمنية والمخاطر الإرهابية ، والجرائم العابرة للقارات ليس فقط في القارة الإفريقية وإنما في المحيط الإقليمي والدولي
.

حضرات السيدات والسادة

لا شك أن إفريقيا بمقوماتها الاقتصادية المهمة ، وثرواتها البشرية الواعدة ، ونموذجها التنموي الصاعد لم تعد بحاجة إلى مساعدات إنسانية عابرة أو إعانات خارجية موسمية ، بل هي في حاجة إلى علاقات تعاون متعددة الأبعاد ، وشراكات اقتصادية وتجارية قوية ومتوازنة ومتضامنة وعادلة ومنصفة.
وفي هذا الإطار فإننا مدعوون إلى استثمار الفرص الهامة التي يتيحها لنا الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة في تحسين الحكامة العالمية ، وتعزيز المبادلات التجارية، وتيسير الولوج إلى الأسواق الدولية ، وتنويع الشراكات الاقتصادية ، وتقوية القدرة التنافسية للمقاولات، وتأهيل بنيات الإنتاج ، ودعم العرض التصديري والرفع من جودته ، وملاءمته لمتطلبات الأسواق الدولية ،باعتبار ذلك مدخلا أساسيا لجلب الاستثمار ، وتوفير فرص الشغل ، والزيادة في الناتج الداخلي الخام ، وارتفاع الاحتياطي من العملة الصعبة ،ومضاعفة النمو الوطني ، وتحقيق التنمية المنشودة
.
و لبلوغ هذه الغايات ، يتعين علينا جميعا أن نبذل مزيدا من الجهد ، والبحث عن أساليب خلاقة ومبتكرة من أجل بناء رؤية موحدة قادرة على إحداث طفرة نوعية في مجال تحسين مناخ الأعمال ، والتصدي للعوامل التي تؤثر سلبا على التبادل التجاري ، وتقوية التنسيق بين السياسات التجارية الخارجية ، والتطلع إلى مزيد من التحرر والانفتاح التجاري وفق ما يخدم مصالح الدول الإفريقية ، ويضمن نموها ورخاءها
.
وفي هذا الصدد، فإننا نؤكد أن المغرب ومنذ ثمانينيات القرن الماضي اختار أن يؤسس لنموذج تنموي قائم على الانفتاح ، وتعزيز موقعه التجاري مع مختلف الدول والمنظمات الإقليمية والقارية والدولية ، وأن يخلق علاقات اقتصادية وتجارية متعددة ومتنوعة وتمتد إلى مختلف مناطق وبقاع العالم
.
والأكيد أن هذه السياسة المتبعة هي التي أكسبت بلادنا الكثير من الاحترام والتقدير ، وحققت لها مكتسبات مشجعة ، ولا سيما الوضع المتقدم لدى الاتحاد الأوربي ، وعقد عدد من اتفاقيات التبادل الحر مع مجموعة من الدول، فضلا عن الانضمام إلى العديد من التكتلات والمنظمات الاقتصادية والتجارية الدولية
.
وهذا لم يكن ليتحقق لولا الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي قامت بها بلادنا، وكذا المبادرات النوعية الرامية إلى مجال تحسين مناخ الأعمال الملائم ، وتبسيط إجراءات الاستثمار ، وإرساء الحكامة الجيدة ، وخلق ترسانة قانونية مشجعة، وسلطة قضائية مستقلة ، وكذا سن العديد من الإجراءات التحفيزية في المجال الضريبي والجبائي والعقاري ..الخ ، وذلك بالموازاة مع الاوارش الهيكلية الكبرى التي أطلقتها بلادنا خلال السنوات الأخيرة في تحديث البنيات التحتية ، وتطوير القطاع الخدماتي ، وإنشاء المناطق الحرة ، وكذا بلورة عدد من المخططات القطاعية في الميدان الفلاحي والصيد البحري ، وفي مجال الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة ، و قطاع السياحة والصناعة التقليدية ، و الطاقات والطاقات المتجددة وغيرها من المخططات الوطنية والقطاعية التي أصبحت تعطي ثمارها وتضفي قيمتها النوعية على دعم الاقتصاد الوطني ، وإنعاش الصادرات ، وتقوية المبادلات التجارية
.

حضرات السيدات والسادة

إن حجم المنجزات التي حققتها إفريقيا لا سيما في المجال التجاري ، لتدعونا أكثر من أي وقت مضى إلى تحصين هذه المكتسبات والتراكمات ، وذلك وفق مقاربة شاملة ومندمجة، تراعي مساهمة جميع الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين ولا سيما البرلمان والبرلمانات بالنظر المكانة الذي أصبح يحتلها في الأنظمة السياسية والدستورية الوطنية ، وكذا استنادا إلى الأدوار الكبيرة والمتميزة التي يضطلع بها ولا سيما في المجال التشريعي والرقابي.
وأننا على يقين أن هذا المؤتمر البرلماني الإفريقي سيوفر لنا منطلقا جيدا للوقوف على التحديات التي تواجهنا في ظل عالم متغير ويشهد العديد من الاضطرابات والمفارقات التي قد تؤثر على مصالح دولنا ، وتطلعات شعوبنا الطامحة إلى العيش في غد أفضل،ونحن نتطلع أن تمكن خلاصات هذا المؤتمر من فتح أفق جديد قادر على تعزيز مكانة إفريقيا وترسيخ إشعاعها ، والدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارية
.
مرة أخرى أجدد الترحيب بكافة المشاركات والمشاركين في هذا المؤتمر الهام على أرض المملكة المغربية ، متمنيا لأشغاله كامل النجاح والتوفيق
.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.