كلمة السيد مزوار أمام الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية

كلمة السيد مزوار أمام الاجتماع الوزاري الطارئ لمجلس جامعة الدول العربيةبسم الله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه. 

معالي الرئيس، الأخ السيد أحمد ولد تكدي، وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الموريتانية،

أصحاب المعالي السادة الوزراء ورؤساء الوفود،  

معالي الدكتور نبيل العربي، الأمين العام لجامعة الدول العربية،

حضرات السيدات و السادة، 

لقد حددنا لاجتماعنا اليوم ثلاثة محاور أساسية، وهي التطورات الأخيرة للقضية الفلسطينية العادلة، والوضع في ليبيا الشقيقة، وظاهرة الإرهاب الخطيرة والمدمرة. 

هي مواضيع ذات أهمية قصوى بالنسبة لبلدي المغرب. أولاها: فلسطين والقدس الشريف، قضية جميع المغاربة، ملكا وحكومة وشعبا، لا توازيها إلا مسألة الوحدة الترابية للمملكة، وثانيها: وضعية بلد عربي شقيق، ليبيا، تربطه بالمغرب أواصر الأخوة وعلاقات تعاونٍ متعددة الأبعاد ومصير مشترك، بما في ذلك في إطار اتحاد المغرب العربي، وثالثها: مكافحة الإرهاب، وهي ضرورة ملحة لأنها مرتبطة بالحياة وبالمعتقد والقيم، أي بكل ما يعطي معنى لوجود الإنسان على الأرض.

ومع الاعتراف بتعقد المواضيع الثلاثة وتشعبها في سياق ظروف إقليمية ودولية صعبة، مما يتطلب الوقوف طويلا عندها، أريد توخي التركيز لعلي أوفي هذه القضايا حقها من العناية، تأكيدا لمواقف بلادي تُجاهَهَا وإسهاما في معالجتها. 

بالنسبة للقضية الفلسطينية، أود أولا أن أتقدم بخالص الشكر لفخامة السيد محمود عباس، رئيس دولة فلسطين على العرض القيم الذي تقدم به أثناء اجتماع لجنة مبادرة السلام العربية، قبل ساعة من اجتماعنا هذا، حول المسار الذي مــــر به مشروع القرار العربي الفلسطيني إلى مجلس الأمن الدولي، والهادف إلى رفع الاحتلال عن الأرض الفلسطينية وإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية التي يُـقِـــر المنتظم الدولي بأنها جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة سنة 1967.

عدم بلوغ الأصوات الكافية لتبني مجلس الأمن مشروع القرار لا يعني إطلاقا تعارضه مع إرادة المجتمع الدولي، المتمثلة في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن دولة فلسطين شهر نوفمبر 2012، ولن يكون أبدا قدرا محتوما، بل إنه جزء من الإكراهات والصعوبات والعراقيل التي ما فتئت القيادة الفلسطينية تواجهها بدون كلل ولا ملل، واستطاعت تجاوز البعض منها بكل تبصر وحكمة لأنها، ومعها العربُ والمسلمون، تدافع عن قضية عادلة.

عبرنا عن بالغ أسفنا وخيبة أملنا لهذا الرفض، مؤكدين أنه لم يعد مقبولاً، بعد مرور حوالي نصف قرن من الاحتلال و24 سنة من المفاوضات، ألا يتحمل المنتظم الدولي، وعلى رأسه مجلس الأمن، مسؤولياته في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووضع حد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يشكل تهديدا حقيقيا للأمن والسلم في الشرق الأوسط وفي العالم.

لقد كان لمشروع القرار ما قبله، تجلى في صحوة الضمير الدولي لنصرة حق الشعب الفلسطيني، وحتى وإن رُفِضَ، سيكون حتما له ما بعده.

فمن المتوقع أن نشهد تنامي وتيرة الاعترافات بدولة فلسطين، ومن المنتظر كذلك أن يُصبح المجتمع الدولي أكثر إلحاحا، من أي وقت مضى لإعادة النظر في الإطار الذي تجري فيه المفاوضات، والمطالبة بأن يتحمل مجلس الأمن مسؤوليته للدفع بمسلسل مفاوضات مؤطرة بجدول زمني وبأهداف واضحة.  

مرة أخرى، أبدت القيادة الفلسطينية عن حصانة الرأي والمرونة الكافية، مع تشبثها القوي بالثوابت وبقرارات الشرعية الدولية في جميع القضايا الجوهرية وعلى رأسها القدس الشريف، عاصمة لدولة فلسطين المستقلة، وبطلان المستوطنات، إلى جانب رفض المفاهيم المغلوطة التي لن تؤدي إلى الحل العادل الدائم.

وهنا، أود تأكيد تضامن المملكة المغربية مع الشعب الفلسطيني وقيادته، برئاسة فخامة الرئيس محمود عباس، في النهج الذي يرتأونه. وإن المغرب، الذي يرأس عاهله صاحب الجلالة الملك محمد السادس، لجنة القدس، على أتم الاستعداد لكي يضطلع بدوره كفاعل في “الإطار التفاوضي الجديد”، الموسع، وكواحد من ضمن “الجهات الرئيسة ذات مصلحة عن كثب” (stakeholders) للمساعدة في التوصل إلى اتفاق، خاصة فيما يتعلق بالقدس الشريف.

بخصوص الشقية ليبيا، التي يتسم الوضع فيها بالانفلات الأمني والتشرذم، فإننا نقول إن الشعب الليبي، الذي نحن من أقرب الناس إليه ونومن بحكمته ورزانته، لن يقبل بأن يُعبث بمصيره وبمستقبل دولته ووحدتها الترابية وهو الذي أبلى البلاء الحسن في مقاومة الاستعمار وفي رفض الظلم والاستبداد.

الواقع، إن ليبيا في حاجة ماسة إلى “خطة طريق، في أبعادها الأمنية والمؤسساتية والتنموية” تخرجها من الأزمة العاصفة التي تجتاحها. فإذا كانت المبادئ والضوابط معروفة وتم تأكيدها ضمن مختلف المجهودات والمبادرات المبذولة إقليميا ودوليا، فما الذي يمنعُ الشروع في مسلسل المصالحة والعودة بالبلاد إلى الأمن والاستقرار. من طبيعة الحال، لا بد من نقطة انطلاق. وفي هذا الصدد، لا يوجد مرتكز أفضل من الشرعية، خاصة إذا تعززت هذه الشرعية بالقدرة على تجميع الفرقاء في إطار تشاركي، يشعُـر فيه الجميع بأنه يسهم في بلورة وبناء مؤسسات دولة عصرية منسجمة مع تطورات العصر وقادرة على رفع تحديات التنمية المستدامة.

لقد تعددت المبادرات الإقليمية والدولية تجاه ليبيا، لكنها ظلت محدودة الآثار. وما نلاحظه اليوم، بكل ألـــم وأسف، هو تزايد خطورة الوضع في هذا البلد العزيز علينا، بما ينتج عنه من تنام للإرهاب، الذي يقوض حظوظ التسوية الداخلية وينذر بانهيار مقومات الدولة الليبية ويهدد أمن وسلامة محيطها القريب والبعيد. لذا، لقد آن الأوان كي تنهض جامعة الدول العربية بمسؤوليتها كتكتل إقليمي يعكس تضامن الدول العربية ويحرص على صيانة الوحدة الترابية لجميع أعضائه، وذلك من خلال الأخذ بزمام المبادرة، وتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وبقية الآليات الهادفة إلى مكافحة الإرهاب، حتى تستعيد ليبيا مكانتها ويصبح بمقدورها المساهمة في الدفع بالاندماج المغاربي ومن تم بالعمل العربي المشترك.

أما فيما يتعلق بالإرهاب، أود أن أنوه بداية بالدراسة التي أعدتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بهذا الخصوص والتي أسهبت في إبراز الأسباب الرئيسية التي تسهم في تنامي هذه الآفة الخطيرة، وعرضت مختلف الآليات العربية المتوفرة لدى جامعتنا لصد أنواع التهديدات الأمنية والتجارب السابقة في هذا الشأن، كما بسطت جملة من الاقتراحات من أجل مكافحة الإرهاب يمكن الاستئناس بها لاتخاذ القرارات الملائمة. 

هذه مناسبة أخرى للتأكيد على أنه ليس بمقدور دولة بمفردها القضاء على الإرهاب العابر للحدود، وأنه بات من الضروري تكاثف الجهود والتنسيق الوثيق بين جميع الدول العربية لتفادي خطورة هذه الظاهرة التي تتأسس على فكر متطرف، وتـتستر برداء الدين، وهو منها بريء، وتضرب في القيم، وتحاول نسف مقومات الدولة، وتهدد المستقبل، وترهن التنمية التي نسعى جاهدين لتحقيقها في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

وبما أن هذه الظاهرة اتخذت من بعض دولنا مرتعا لها حتى أصبحنا أولى ضحاياها، فلا يسوغ لنا أن نعتمد على غيرنا في مكافحتها داخل بلداننا وفي أوساط مجتمعاتنا وشباننا على وجه الخصوص.

لا بديل عن مقاربة ثلاثية الأبعاد في شقها الأمني والفكري والتنموي لاستئصال هذه الظاهرة الهدّامة. أقصد اعتماد نهج الحكامة الأمنية، ونشر ونصرة قيم الاعتدال والوسطية والتسامح التي بني عليها الإسلام، ومعالجة الهشاشة الاجتماعية والعمل على تحقيق التنمية البشرية المستدامة.

علينا، إذن، الاحتراز والاستباق الأمني، والتنوير الديني وملأ الفراغ الروحي وتوفير الشغل لمكافحة اليأس الذي يؤدي إلى التطرف حتى نتمكن بالتالي من استرجاع “ديننا المخطوف” و”شبابنا المسلوب”.

لقد أضحت محاربة الإرهاب من صميم الدفاع عن الإسلام وتجنب الإسلاموفوبيا التي تطال جالياتنا العربية في بعض الدول الأجنبية التي يعيشون فيها، والتي شاهدنا كيف ترسخت في الشهور الأخيرة لدى بعض الأوساط في العالم، مستغلة الأحداث الدامية التي ارتكبت باسم الدين. إن من يتربص بالإسلام يتخذ مما تقوم به الجماعات الإرهابية ذريعة لمهاجمته وتحميل المسلمين وزر أفعال لا يد لهم فيها، وهو ما يستدعي منا العمل كذلك على جبهة رفع هذه المغالطات بنفس قوة التصدي لآفة الإرهاب على المستوى الأمني وعلى مستوى الإمدادات والتمويلات التي يستفيد منها.

أشكركم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.