كلمة السيد صلاح الدين مزوار رئيس التجمع الوطني للأحرار خلال انعقاد المؤتمر الجهوي للحزب بالداخلة

كلمة السيد صلاح الدين مزوار رئيس التجمع الوطني للأحرار خلال انعقاد المؤتمر الجهوي للحزب بالداخلةالأخوات والإخوة مسؤولي التنظيمات الحزبية بالجهة

الأخوات والإخوة مناضلات ومناضلي التجمع الوطني للأحرار

الضيوف الكرام

السيدات والسادة

إنها لحظة اعتزاز عارمة، هذه التي نعيشها الآن، ونحن أمام زخم الحضور والالتزام اللذين تعبرون عنهما، دليلا على الموقع الذي يحتله حزب التجمع الوطني للأحرار في هذه الجهة من الوطن. لحظة اعتزاز لما أبديتموه من ترحيب ومن احتضان لأخواتكم وإخوانكم في القيادة الحزبية. ولحظة اعتزاز أكبر لكوننا نلتئم فوق أرض عزيزة، في جهة صامدة، وفي مدينة اعتبرناها دائما نموذجا للتحدي، ولكن كذلك للجمال وللانفتاح والإصرار على التقدم.

أحييكم باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، قيادة وقواعد، وأتمنى لمؤتمركم النجاح، ولنضالاتكم سداد الطريق لتحقيق طموحات أبناء المنطقة وطموحات بلادنا ككل.

لقد آلينا أن ننتقل جماعة لنشارككم بناء هذه اللبنة الجديدة في مسار الحزب، تعبيرا منا عن المكانة الخاصة، وأكاد أقول الرمزية التي تحتلها هذه المنطقة، في وجداننا وفي أجندتنا السياسية والنضالية على السواء، وعن الدور الحيوي الذي تمليه عليكم الظروف، وخصوصية المنطقة وما يحيط بها من حيثيات سياسية، ما يعطي لهذا الدور راهنية مستمرة ودائمة، وحساسية وملحاحية.

كما أن انتقالنا جماعة لنحل بينكم تعبير كذلك على أهمية هذه المحطة الحزبية، لا للجهة فقط، ولكن للحزب كذلك، حتى نستطيع التداول في مستجدات اللحظة السياسية وتعميق منظورنا لمجمل التطورات وتقاسم آرائنا التي نعبر بها نحو تعميق فعلنا النضالي وتقويم ما يستحق التقويم وتعزيز ما نراه إيجابيا ومناسبا.

لقد لاحظتم ولاحظ الجميع، منذ المحطة الحزبية الأخيرة إلى اليوم، كيف تتميز الأحداث بتسارع كبير، وتتزاحم المستجدات، على المستويين الوطني والجهوي.

لقد أكمل الحزب سنة من العمل الحكومي في ائتلاف لم يكن منتظرا أن يدخله التجمع كطرف أساس، بعدما اخترنا، بمنطق الوضوح والالتزام التموقع في المعارضة مباشرة بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وهو اختيار كانت له أسسه الصلبة ومبرراته في طبيعة الاختيارات.

سنة من العمل الحكومي كان منطلقها الاستجابة لنداء الواجب بعدما وجدت مؤسسة دستورية رئيسة نفسها في وضع مأزوم ينذر بإضاعة الكثير من الوقت على البلاد، وبتفويت العديد من الفرص، وذلك في مرحلة حساسة جدا كانت جزءا من حساسية المحيط المأزوم والمتفجر بسبب ثنائية الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وتبعات ما عرف بالربيع العربي، على المنطقة ككل، والتي لا تحتاج اليوم إلى تحليل أو توضيح، ما دامت النتائج تتحدث بنفسها عن نفسها.

لم يكن أمام حزب وطني من حجم حزب التجمع الوطني للأحرار أن يصم آذانه عن النداء، أو أن يقدم اعتباراته السياسية والمذهبية والهوياتية على الاعتبارات الوطنية، فالحزب كان دائما جزءا لا يتجزأ من الدولة، بفعل مساره وبفعل المسؤوليات التي تحملها على مدى أزيد من ثلث قرن بذلت فيه الأجيال التجمعية تضحيات، بكثير من الحكمة ومن التبصر، في التزام دائم مع خط البناء الذي سارت فيه بلادنا، والذي يؤكد اليوم، صواب الاختيارات التي تجسدها النتائج على الأرض.

لقد كان تحديا كبيرا أن يلج الحزب الحكومة تحت إدارة الحزب الأول في الانتخابات الأخيرة، لا لأن العلاقة بين الحزبين شابتها صراعات وتدافعات، فذاك أمر طبيعي، ولكن لأن المسافة بين الحزبين في ما يخص التوجهات والقناعات لم تكن مسافة يمكن طيها بقرار عابر، مسافة تجعلنا مختلفين في أمور كثيرة، وأحيانا متناقضين في النظر لبعض القضايا.

وبمسؤولية تعكس أسبقية مصالح الدولة، وأولوية الوطن، استجاب التجمع للنداء، وكانت أجواء الحكومة، للحقيقة أقولها، متشبعة بروح التعايش وبناء التوافقات، وترك ما عدا ذلك لحرية الاختيارات والتداول بعيدا عن العمل الحكومي، أي بعيدا عن المؤسسة الدستورية التي تحتاج قبل كل شيء لمنطق نساء ورجال الدولة.

ولعل السؤال الأهم في هذه التجربة، ينصب على مدى تحقيق التجمع قيمة مضافة للعمل الحكومي بالنظر لصعوبة المرحلة وملفاتها المستعجلة.

وفي هذا الصدد أود التذكير بأننا كنا على دراية عميقة بتحديات اللحظة، وبأن النجاح يمر بالضرورة عبر الانسجام في التدخل والعمل القطاعي المنظم، فكان اختيارنا، الإمساك بالقطب الاقتصادي والمالي وبقطب السياسة الخارجية، نظرا للأهمية القصوى للقطبين في الظروف الراهنة، واللذين لا يحتملان تباعد وجهات النظر في تسييرهما، علما أن الانسجام الحكومي ككل، يعتبر في كل الأحوال ضمانة إضافية.

وها نحن بعد سنة بإمكاننا الوقوف عند نتائج أولية، كل الأرقام والمؤشرات تؤكد إيجابيتها وجدواها: عودة الاستثمارات الأجنبية بشكل ملموس، دينامية القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وضع استراتيجيات جديدة ومحورية لحاضر ومستقبل الاقتصاد الوطني وفي مقدمتها تسريع التنمية الصناعية بما يؤهل بلادنا للدخول في دائرة الاقتصاديات الصاعدة، تراجع الاختلالات المالية، فتح أسواق جديدة وشراكات موسعة، وفق التوجيهات الملكية السامية.

وكان من مردود هذه المنجزات استقرار معدلات البطالة والحؤول دون انعكاسات اجتماعية سلبية لتفاعلات الأزمة العالمية المستمرة، بما يعنيه ذلك من استمرار الخدمات الاجتماعية على علتها، ومن حفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين عبر استقرار نسب التضخم.

وإذا كان الوضع الحالي يدعو لمزيد من العمل ومن التعاطي المبدع مع النقائص والانتظارات المشروعة، سواء لعموم المواطنين أو المستثمرين ومنتجي الثروة، والنساء والشباب، فإن ذلك لن يغطي حجم التقدم المحرز وإيقاف التدهور، الذي أعقب الحراك الاجتماعي لسنة 2011 وما تلاها من أحداث سياسية وتطورات مؤسساتية.

واليوم، ونحن ننجز هذه الوقفة، لا يسعنا إلا أن نطمئن لمصداقية هذه الاختيارات، ما يحفزنا على التشبث بها وإغنائها وتطويعها للشروط الفعلية لواقع بلادنا ومجتمعنا.

الإخوة والأخوات

الحضور الكريم

لقد عرف التجمع الوطني للأحرار مسارا من التطور نعتقده قد بلغ مرحلة من النضج المتقدم. فقد كان انحيازنا لصف الحداثة والتقدم ثمرة لقراءة الواقع وتطور البلاد والمجتمع، في دائرة التفاعلات العالمية، واستشرافٍ للمستقبل على ضوء الحركية العامة التي تميز عالم اليوم.

فعالم اليوم كما ترون، يقوم على منطق التنافس الحاد الذي يرمي بالضعفاء وراء المسيرة، تنافس ليس اقتصاديا فحسب، ولكن تنافس على امتلاك مصادر القوة، واستغلال المؤهلات، الوطنية والجهوية، في كافة المجالات لتحقيق مكانة متقدمة تعفي من التبعية وتقوي السيادة في القرار والاختيار وحماية المصالح.

ومن دون شك فمصادر قوة اليوم ليست مصادر الأمس. نحن أمام محددات استراتيجية للوجود: اقتصاد المعرفة؛ العلم؛ التكنولوجيا؛ التكوين؛ الذكاء؛ القدرة على الإبداع؛ القدرة على المبادرة؛ القدرة على استكشاف مسارات جديدة في كل المجالات؛ تفجير طاقات الشباب؛ المشاركة المتساوية للرجل والمرأة في كل المجالات؛ الاستغلال العقلاني والمتوازن للبيئة قصد استدامة الموارد.

تلكم عناوين رئيسة لمصادر القوة في عالم اليوم، والعالم كله يؤكد فعليا، وليس بالتحليل العقلي، أن البلدان التي لا تسير على هذا النهج، إنما تحكم على نفسها بالهامش، وبالبقاء تحت رحمة الأقوياء.

إننا حينما اخترنا مذهبيا التموقع في صف الحداثة والتقدم، لم نكن نخضع لمنطق الموضة، ولا لما يعتبره البعض، عن جهل، تشبها بالأجنبي أو الغرب، بل كان اختيارنا مؤسسا على غيرة وطنية صادقة، وإحساس بهموم الشباب، وبخطورة الفقر والتهميش، وبمعاناة المرأة مع الظلم الاجتماعي، رغم التقدم المشهود في وضعيتها القانونية.

كان اختيارنا جوابا على سؤال بسيط: كيف يمكن لبلادنا أن تخرج من دائرة غير مريحة، وتؤسس شروط الاندماج في منطق التنافس الحاد، محافظة على هامش مريح للحركة وصون السيادة، الاقتصادية والمالية والسياسية، وتوفير شروط حياة أفضل لكل الفئات ولكل المواطنين، في تناغم اجتماعي، وآفاق مفتوحة على الأمل وتحقيق الذات، خاصة للنساء والشباب؟

غير أن تحقيق هذا التموقع ليس عملية تقنية يمكن إنجازها بمجرد توفر الإرادة والنيات الحسنة والتخطيط، بل إن مشروعا كهذا يحتاج كأولى الأولويات، إلى الانسجام بين طموح امتلاك عناصر القوة، وبين توفر المؤهلات الذاتية للمجتمع كي يحمل هذا المشروع ويستبطنه.

إنه سؤال في غاية الأهمية، لأن نجاح أي مشروع يمر قبل كل شيء عبر الانسجام بين فلسفة المشروع وبين الذات الحاضنة في أبعادها الثقافية وفي نمط تدبير وجودها الاجتماعي والمؤسساتي. لا يمكن لعقلية متخلفة أن تحمل مشروعا طليعيا. لا يمكن لذات منغلقة أن تحمل مشروعا منفتحا. لا يمكن لثقافة متسلطة أن تحمل مشروعا ديمقراطيا. لا يمكن الحلم بمجتمع يقوم على قوة المبادرة في ظل عقلية تنبذ الحرية. لا يمكن تحويل حماس وفورة الشباب في ظل أبوية ووصاية خانقة، ولا يمكن استنفار قدرات المجتمع بدون الاعتراف بالمساواة بين نصفيه وبدون حق النساء في الكرامة الإنسانية الكاملة.

إن هذا النوع من التناقضات كانت له اليد الطولى في إفشال العديد من سياسات التحديث في بلدان تعيش ثنائيات صادمة، ولا زالت إلى اليوم تعيق برامج طموحة وتحكم بالهدر على مؤهلات مالية وبشرية ضخمة يتم توظيفها لغاية هذه البرامج.

إن وعي التجمع الوطني للأحرار بالتداخل المتين بين مبتغى التحديث والتقدم وبين مؤهلات الذات الحاضنة يعتبر تحصيل حاصل، ما دامت الحداثة في مرجعيته الفكرية هي قبل كل شيء تجسيد لمركزية الإنسان كقيمة في ذاتها، تنهض على الحرية والمساواة والعدل.

لذلك فإن قضية المرأة تكتسي بالنسبة إليه أولوية، خاصة أمام التراجعات الواضحة في النظر للمرأة في الفضاء العام وفي الفضاء الأسري، لعل أجلى صورها العنف الممارس عليها في صيغتيه الرمزية والمادية، وهي وضعية تغذيها أفكار ماضوية تطغى عليها المحافظة والتقليد، وتجتهد في استحضار كل ما هو متخلف في تراثنا وموروثاتنا الثقافية، كما تجتهد في الاستنباط المتعسف لأحكام ما أنزل الله بها من سلطان.

وعلى هذا المنوال يعتبر التجمع الشباب كذلك أولوية، لا بالنظر إلى ما يختزنه من طاقات بمثابة وقود للبناء، ولكن كذلك لكونه الفئة العمرية الأكثر تضررا من البطالة والتهميش، فيكفينا أن ننظر إلى واحد فقط من المؤشرات الدالة من قبيل تأخر سن الزواج وما يخلفه من ظواهر سلبية تمس المجتمع ككل، لندرك حجم الخسارة التي تنتج عن تبديد رأسمال بشري ما أحوج مشاريع البناء إليه.

ثم إن أهمية الشباب تكمن كذلك في التجديد الثقافي والقيمي وفي اختراق الكثير من الموروثات التي ليست دائما إيجابية، فكم مرة في حياتنا سمعنا عن صراع الأجيال أوعن فساد الشباب وعن الاستلاب، فيما واقع الأمر لا علاقة له لا بفساد ولا بغيره، بل بالحق في اختيار ما يناسب الذوق والإحساس ويترجم التطلعات إلى مستقبل مأمول عوض واقع قائم، بدل ذوق وإحساس الآباء الذين بحكم الطبيعة لم تعد لديهم تطلعات بناء الحياة الشخصية بعدما يكونون قد استقروا في ثقافة زمنهم وينظرون بعين الريبة إلى زمن الأبناء.

والتجمع يعتبر المبادرة بوابة لاقتحام مصادر الثروة الكامنة والممكنة. وحدها المبادرة تستطيع شق طرق جديدة واستكشاف مؤهلات غير موجودة في اللحظة، وهنا تكمن الأهمية القصوى للقطاع الخاص وللمقاولة. ولكن المبادرة تحتاج للحرية ولضمان العدالة وللمنافسة الشريفة، وهي شروط يعتبر العمل على توفيرها نضالا دائما وأولوية ملحة.

إن المبادرة في ارتباطها بالحرية، والشباب في ارتباطه بالحق في الاختلاف، الثقافي قبل كل شيء، والنساء في ارتباطها بالكرامة والعدل والمساواة، تشكل مجتمعة سياقا مجتمعيا ، بالقدر الذي يصب في تثمين الرأسمال البشري، بالقدر الذي يؤهل لاتساع الطبقة الوسطى داخل المجتمع، هذه البنية إن كان لا مناص منها في الدورة الاقتصادية وفي التوازن المجتمعي، فإن دورها الثقافي التحديثي لا يقل أهمية، إنه دور يصب في صميم ما أشرت إليه سلفا من ضرورات توفر المؤهلات الذاتية للمجتمع الكفيلة بالتلاؤم والتواؤم مع مسعى التحديث، أي أننا هنا أمام وضعية تفاعلية بين مجموع القيم التي توَلد الانفلات من القيود لتنتج بنيات وتوسع أخرى، ولتعود هذه الأخيرة بتأثير أقوى لترسيخ الانفلات، وهكذا دواليك تصير لمشاريع التحديث فرصة أكبر للتجسد على الأرض.

إن هذه الرؤية التي عززت موقع التجمع كحامل لهم التحديث لا تستقيم إلا بالقدر الذي تستوعب ثوابت الهوية المتعددة للمجتمع المغربي في دائرة نفس القيم الكونية: الوسطية والاعتدال والتسامح والاعتراف بالآخر في اختلافه، ثقافة ولغة ومرجعية، الشيء الذي يعطي لمشروع التحديث والتقدم شرعيته ويضمن انسجامه مع الشخصية المغربية، في وضع أصبح فيه استيراد التخلف والتطرف مهمة مقدسة وكأن المغرب لم يراكم في تاريخه ما يجعله في غنى عن الانسياق أو الانبهار أو تقليد نماذج ولدت في بيئة أخرى ولبيئة أخرى.

تلكم بعض المفاتيح من أجل رؤية أكثر وضوحا والحزب أمامه واجب التفاعل اليومي مع المواطنين والاتساع من أجل قدرة أكبر على أداء مهامه الوطنية في التأطير وفي تحمل المسؤوليات حسب ما تحدده التطورات من مواقع.

الأخوات والإخوة

إن من المسؤوليات التي أصبحت تدق بابنا بقوة، وخاصة في هذه الجهة، ما يرتبط بالمرحلة الجديدة التي نحن مقبلون على ولوجها، فقد أعطى الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى المسيرة توجيهاته السامية من أجل البدء فعليا في تنفيذ النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية وتجسيد الجهوية المتقدمة.

نحن في بداية مرحلة جديدة لأنه لأول مرة ستنتقل الدولة المغربية إلى صيغة أكثر شمولية واتساعا للامركزية، بما سيعنيه ذلك، من استفادة المواطنين من آليات التدبير الذاتي الجهوي للكثير من شؤونهم من جهة، ومن جهة أخرى مسؤولية حمل المشروع وتجسيده على الأرض.

فبقدر ما تنفتح أمامنا آفاق الديمقراطية المحلية على مصراعيها، بقدر ما تنفتح أمامنا أسئلة المؤهلات والكفاءات لحسن التصرف والقدرة على التدبير الجهوي بالشكل الذي يضمن بلوغ أهداف الجهوية الموسعة،

إننا اليوم في منطلق الترجمة الفعلية لأحد المضامين الجوهرية لدستور 2011 . الجميع يتذكر النقاشات المواكبة لإعداد الدستور واللاحقة له حين اعتبر الجميع بصوت واحد أن الجهوية بمثابة هيكلة جديدة للدولة المغربية. ولتكون كذلك فهي في حاجة إلى نخب متمرسة واعية، ذات كفاءات، يحذوها الإيمان العميق بكونها تؤدي دورا تاريخيا في إقرار بنيات جديدة ستغير، إن أحسن تدبيرها، وجه البلاد ككل.

المسؤولية لا شك جسيمة خاصة في ارتباطها بالنسبة للأقاليم الجنوبية بالبدء في تنفيذ النموذج التنموي المعد للمنطقة، والذي لا يقل ثورية بالنظر لكونه يضع نصب عينيه تغييرا كليا لمنظومة الحكامة في المجال الاقتصادي بعدما وصل النموذج الحالي إلى الاختناق وأضحى معرقلا للتنمية وللعدالة الاجتماعية والإدماج.

مهمة جسيمة ولا شك ولكنها كذلك محك لتجسيد مؤهلات الحزب، فلطالما تم النظر للتجمع الوطني للأحرار كحزب للكفاءات راكم تجارب تدبيرية مشرفة، بفعل ضمه لشباب مكون، ولأطر تقنية، ولنساء ورجال أعمال ناجحين، ومسيري جماعات ومنتخبين أبدوا عموما الكثير من الحنكة والتجاوب مع متطلبات الواقع المتحول.

ولن تكون مواكبة التجمع لهذه النقلة الكبرى أمينة ووفية لمبادئ الحزب، وذات مردودية فعلية في التغيير المجتمعي إلا بالالتزام بالبعد الهوياتي للحزب كما سردت خطوطه العريضة قبل قليل، لأننا في النهاية أمام مشروع للتحديث والتقدم يشمل كافة المجالات.

إنكم ستشكلون الكوكبة الأولى في الميدان لمشروع طالما انتظرناه، وسيكون الحزب، قيادة وقواعد إلى جانبكم لصنع تجربة جديدة لا شك ستكون مصدر اعتزاز تماما كما كان شأن تجاربنا السابقة.

الأخوات والإخوة

وأنتم مقبلون على المساهمة في صنع المرحلة الجديدة، لا بد ستكونون في مرمى قذائف الحقد الأعمى لأعداء الوحدة الترابية، فكما عرقلوا ويعرقلون مقترح الحكم الذاتي، لن يدخروا جهدا لقطع الطريق أمام التجربة الجديدة.

طبعا لن ينال ذلك من المغرب، فهو فوق أرضه ويتصرف بما تمليه مصلحة مواطنيه، ولكن حجم التصعيد العدائي في الآونة الأخيرة، يعني أن كثيرا من المخاطر لا زالت واردة، خاصة وقد انضافت إلى ذلك المستجدات التي تعرفها المنطقة، من استنبات لبؤر الإرهاب من حولنا وتطورها السريع بمؤهلات استثنائية غير مسبوقة، الشيء الذي يهدد فعليا استقرار المنطقة.

إن التحولات الجيو استراتيجية تشكل تهديدا جديا، ونحن نعلم أن مخيمات على الجانب الآخر تنحو حثيثا نحو تفريخ الإرهابيين، مخاطر تنضاف إلى تطورات ملف وحدتنا في المنتظم الأممي.

ولا حاجة للتذكير هنا بالمواقف الصارمة لصاحب الجلالة الذي أكد بشكل قطعي أن أي تغيير في مقاربة حل الملف ستستتبع رد فعل مغربي بحجم التهديد.

المملكة المغربية متشبثة باستقرار المنطقة وباليد الممدودة وبنداء العقل، ولكن غياب تجاوب الجيران من شأنه إذكاء التخوف مما يضمرونه ويخططون له. ونحن نعلم أن النزاعات أصبحت تأخذ أبعادا غير مألوفة مع دخول الإرهاب كعامل يتسلل بين ثنياها، ليأتي على الأخضر واليابس، وليكون المواطن الضحية الأولى لهمجية نادرة في التاريخ.

إن نجاعتنا في حماية الاستقرار تمر بالضرورة عبر قوة الإجماع الوطني والدفاع عن قضيتنا العادلة وتحصين الشباب ونحن نعبر مرحلة حساسة فعلا لا مجال فيها، لا للتهاون ولا للحسابات الفارغة.

وكما بذلتم كتجمعيين دائما التضحيات تلو الأخرى في سبيل الوطن، ستكون مساهماتكم أكثر راهنية وملحاحية لتجنيب المنطقة أي انزلاقات يعمل الجيران ليل نهار من أجل توفير شروطها.

وإذ أحيي فيكم روح اليقظة والمسؤولية، لا يسعني إلا أن أنوه باستعدادكم إعطاء دينامية ونفس متجددين للحزب على مستوى الجهة، عبر مزيد من الانفتاح على الطاقات والالتصاق بالمواطنين في انشغالاتهم، البسيطة والمعقدة، حتى تكون الآلة التنظيمية تستجيب فعلا لحجم المشروع الذي نحمله جميعا.

فلنكن جميعا أوفياء لشهداء وحدتنا الترابية، ولتضحيات القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والإدارة الترابية والوقاية المدنية.

شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله.