مداخلة السيد وديع بنعبد الله رئيس الفريق النيابي للتجمع الوطني للأحرار خلال مناقشة الجزء الأول من مشروع قانون المالية لسنة 2015

مداخلة السيد  وديع بنعبد الله   رئيس  الفريق النيابي  للتجمع الوطني للأحرار الجمعة 14 نونبر 2014

السيد الرئيس المحترم ،

السيدات والسادة الوزراء المحترمين،

السيدات والسادة النواب المحترمين ،

يسعدني أن أتدخل باسم فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب لعرض تقييمنا لمشروع قانون المالية لسنة 2015.

هذا المشروع يعتبر بالنسبة إلينا لحظة، لا فقط للخوض في الشؤون الاقتصادية والمالية وما تستبطنه من استراتيجيات تنموية، ولكن أساسا لحظة للتداول بعمق في السياقات العامة التي تعيشها بلادنا، بدءا بالمستوى السياسي العام، مرورا بباقي المستويات، بحكم أن السياسة الاقتصادية والمالية تؤثر وتتأثر، هي في الوقت نفسه، نتاج للظروف المحيطة، وكذلك فاعل أساس في هذه الظروف.

إن بلادنا بحكم موقعها الاستراتيجي الحيوي، تتحرك داخل سياق مطبوع بتحولات عالمية كبرى، تجسد انتقالا من نظام عالمي آفلٍ، إلى مخاضٍ صاخبٍ تتسابق فيه القوى المؤثرةُ في العالم إلى فرض قواعد لعبٍ جديدةٍ ستحكمها التوازنات التي تتأسس على أرضية أزماتٍ وصراعاتٍ وانفجاراتٍ قوضت الاستقرارَ في مواقعَ مختلفةٍ، منها المنطقةُ العربيةُ على الخصوص.

ومن الطبيعي أن تكون للمغرب كلمتُه في هذا الوضع، وهي الكلمة التي جسدها عمليا من خلال عبوره اللحظاتِ الكبرى في السنوات الأخيرة بحنكةٍ نادرة، وبقدرةٍ على استيعاب الأزمات الظرفية التي تدعو أي مغربي مغربي، إلى الافتخار والاعتزاز بالذات.

لقد تصدى المغرب لطوفان هز قلاعا اقتصادية كبرى في العالم، منذ أولى العواصف المالية سنة 2008، مرورا بالأزمة الاقتصادية التي تلتها وخرج منها محصنا من الإعاقات التي مست بلدانا لا ندري كم من السنوات أو العقود ستحتاجها للتعافي.

وبنفس المناعة استطاعت بلادنا التفاعل مع مجرى ما سمي بالربيع العربي، لا كموعد للانفجار ولكن كفرصة لترسيخ الخيار الديمقراطي وتحصين المكاسب المؤسساتية وتقوية التماسك الداخلي للمملكة المغربية، وفق وصفة حضارية راقية لتدبير التباينات المجتمعية والسياسية الطبيعية. وما من شك أن هذا الكلام لا يتخذ معناه العميق إلا إذا فكرنا في المآلات المؤلمة التي انتهت إليها شعوب ودول شقيقة لا يمكن لضمير حي إلا أن يتمزق ألما أمامها.

هذه مجرد جزء من تمظهرات ما نسميه بالنموذج المغربي، نموذج يُغيض الكثيرين ويثير حنق الحاقدين، نموذج تعبر عنه النتائج بدل الخطابات، نموذج يقدم للعالم في الظروف الحالكة، المغربَ الذي يجب أن نعتز به، المغربَ الذي يجب أن نرفع رأسنا عاليا كلما ذكرنا الانتماءَ إليه ونحن خارج الوطن.

وعبثا حاول ويحاول الذين في نفوسهم مرض، أن يستثمروا الظروف الجهوية الخطيرة والأزمات المتلاحقة، لكي يجعلوا البلاد تولي الأدبار وتتراجع وتنكمش. وما الضربات المتلاحقة التي نتلقاها، خاصة في العلاقة مع وحدتنا الترابية، سوى تجسيد لتلك الإرادة المريضة. ولكن هيهات، فكما أن للبيت ربا يحميه، فللبيت كذلك، رجال ونساء وشباب، وسواعد وعقول وقلوب، ومؤسسات وجذور في الصخر وفي أعماق البحرين، وقيادة ملكية حكيمة تنير طريق الوقوف انتصابا كأرز الأطلس ونخيل الصحراء، لمن يعرف معنى الكرامة والأنفة.

هذا حديث القلب قبل حديث السياسة، لذا أود أن أعبر مجددا عن تثميننا العالي كفريق نيابي وكحزب وكجزء متواضع من الشعب المغربي، للخيارات السياسية التي عبر عنها جلالة الملك بقوة في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى المسيرة، ومختلف تناولاته الأخيرة للقضية الوطنية، واعتزازنا بالاستعداد المعبر عنه من لدن كافة المكونات السياسية تحت هذه القبة، للوقوف بحزم، كما دأبنا على ذلك دائما، في وجه الخصوم، دون أن يثنينا ذلك عن مواصلة أجندة التحديث والأوراش والبناء وتطوير النموذج المغربي الذي هو سكتنا نحو الموقع الذي نستحق في المنطقة وفي العالم.

ولا تفوتني هنا الإشادة، باسم فريق التجمع الوطني للأحرار، بالقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية والإدارة الترابية، على التفاني والشجاعة وروح التضحية والإقدام التي أبانت عنها وهي تؤدي الواجب الوطني في الدفاع عن وحدتنا الترابية.

وكما أن للمغرب التزاماته الوطنية، فلديه كذلك التزاماته اتجاه الأشقاء والشركاء، وفي هذا الصدد نشيد بالجهود التي تبذلها بلادنا للدفاع عن مقدسات الأمة في فلسطين، حيث التأم بالرباط مجرى هذا الأسبوع، الفريق الوزاري المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، برئاسة المغرب في شخص السيد وزير الخارجية، وهو الفريق الذي كانت وراء تأسيسه توصية من لجنة القدس التي يرأسها جلالة الملك، حيث ينتظر أن يقوم الفريق بحملة دولية ضد الجرائم الصهيونية التي تمس الأقصى المبارك في هذه الأيام.

وبنفس الالتزام نعبر عن ارتياحنا البالغ ومساندتنا اللامشروطة لأشقائنا في تونس، وهم يؤسسون بكثير من الحكمة والتبصر والتعايش الحضاري، تجربتهم الديمقراطية التي ستشكل لا محالة، إلى جانب التجربة المغربية الرائدة، منارة مضيئة في المنطقة ستعزز فرص التحول نحو منطقة للتعاون وبناء مغرب الشعوب الذي طال انتظاره.

 

السيد الرئيس المحترم ،

السيدات والسادة الوزراء المحترمين،

السيدات والسادة النواب المحترمين ،

لقد كان من حسن تبصر الدولة المغربية منذ الاستقلال أن اختارت نهج الانفتاح الاقتصادي والمبادرة الحرة، وإن بشكل متدرج، أفضى لنشوء نسيج اقتصادي استطاع تحقيق الاندماج داخل سياق العولمة، وتدبير شبكة من الشراكات أخذت تتوسع أكثر فأكثر في السنوات القليلة الماضية.

إن قدرة اقتصاد ما على الاندماج معناه تحقيق مستوى من التطور المؤهل للتفاعل مع المحيط، أخذا وعطاء. فيما العجز عن تحقيق ذلك يعكس التدني والهامشية وغياب النضج.

لكنه من الطبيعي كذلك أن تكون هذه الارتباطات معبرا للتأثيرات الجانبية، خاصة مع استمرار الأزمة لدى شركائنا المباشرين في منطقة الأورو.

في هذا الإطار لا بد من الإشادة بالتدبير الذي تم اعتماده لامتصاص انعكاسات الأزمة لدى الشركاء، حيث نركز هنا خصوصا على استمرار المجهود الاستثماري للدولة، ومتابعة سياسة الأوراش الكبرى وتنويع الشركاء على مستوى الخارج، ومجهودات الانفتاح على أسواق جديدة وواعدة.

هذا في نفس الوقت الذي استطاعت فيه الحكومة التحكم أكثر في التوازنات الكبرى.

وإذا كانت الإنجازات تتحدث عن نفسها بالأرقام المسجلة والواردة في مشروع القانون الذي أمامنا، فلا بأس من تسجيل ملاحظة في غاية الأهمية بالنظر لتطور أداء اقتصادنا، وأعني هنا التطور الهام الذي عرفته القطاعات غير الفلاحية، خاصة منها الصناعية عموما والمهن الجديدة للمغرب، من قبيل الارتفاع الذي هم على التوالي: صادرات السيارات ب 31.3% والإلكترونيك ب 22.2% والطائرات ب% 3.7 وعائدات السياحة ب 2 % ، وهي كلها مؤشرات على وتيرة التطور الإيجابي الذي تعرفه بنية الاقتصاد الوطني.

كما أن تحسن المؤشرات الكبرى يؤكد هو الآخر مصداقية الاختيارات الحكومية، حيث من المنتظر تحقيق حصر عجز الميزانية في الحدود المقدرة في القانون المالي الحالي أي 4.9 في المائة فضلا عن تراجع العجز التجاري ب 5 في المائة وتطور التغطية من 58.5 حتى سبتمبر 2013 إلى 62.5 في المائة في شتنبر لهذه السنة.

إن من شأن هذه النتائج، وأخرى لا تقل إيجابية، لتأكيد للثقة في اقتصادنا الوطني باعتباره المدخل الضروري لجلب الاستثمارات وتيسير التعاملات مع الأسواق الدولية، وخلق فرص جديدة للشغل وهو ما أكدته تقييمات عدد من المؤسسات الدولية .

كما أن الفترة المنقضية شهدت تقدما ملحوظا على مستوى الإصلاحات الكبرى، حيث لم تعد إشكالية المقاصة شبحا مرعبا بفضل الشجاعة والجرأة التي تحلت بها الحكومة في اتخاذ تدابير العقلنة مع الحرص على التحكم في الانعكاسات الاجتماعية، والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن.

كما نسجل بارتياح الانخراط الجماعي في مشروع إصلاح منظومة العدالة والتقدم الذي تحقق في هذا الإطار. ونهيب بالحكومة بتسريع الترسانة القانونية المرتبطة بهذا الإصلاح.

هذا فضلا عن مبادرة الحكومة إلى إنقاذ ودعم قطاع في منتهى الحيوية، متمثلا في قطاع الكهرباء رغم الكلفة التي كانت ضرورية في كل الأحوال، مرة أخرى حفاظا على القدرة الشرائية للمواطن. كما لا يفوتنا التأكيد على أن يتم إنصاف كل من تضرر من إشكالية العدادات المشتركة للعائلات من ذوي الدخل المحدود.

على مستوى آخر سجل الرأي العام الوطني بارتياح واضح التحولات العميقة التي عرفها صوت المغرب على المستوى الدولي من خلال دينامية وحضور الديبلوماسية المغربية على كافة الجبهات، واعتمادها الخطط الاستباقية والحزم في التعامل مع القضايا الحيوية لبلادنا، فضلا عن فتحها لجبهة الديبلوماسية الاقتصادية، من خلال توسيع الشراكات وبناء علاقات متجددة مع أفريقيا على أساس قاعدة تعاون جنوب جنوب، وفقا للتوجيهات الملكية السامية.

تدبير العلاقات الخارجية لم يقتصر فقط على الملفات السياسية والاقتصادية، بل سجل نقلة في الاهتمام بمغاربة العالم، وبناء رؤية استراتيجية واضحة المعالم، سواء من خلال الدعم والدفاع عن مصالحهم المباشرة كما عشنا ذلك في حالة مغاربة هولندا مؤخرا، ونحيي من هذا المنبر الحكومة على مواصلة مواكبتها عن قرب لهذا الملف، أو عبر إعادة الهيكلة التي تخضع لها قنصليات المملكة بالخارج لمزيد من القرب ولتسهيل ولوج مواطنينا إلى خدماتها.

وعلى نفس المنوال لا يمكننا إلا أن نعتز بالجهود الكبرى التي عرفها قطاع الصحة، خاصة فيما يخص تقليص أثمنة المئات من الأدوية الذي استدعى من الحكومة معركة حقيقية كللت بالنجاح. أو فيما يخص توسيع عدد المستفيدين من نظام التغطية الصحية الرميد الذي بلغ حوالي 7.5 مليون مستفيد.

وسواء تعلق الأمر بالتجهيز أو الفلاحة والصيد البحري أو الطاقة والصناعة التقليدية، فإن كل البرامج والمخططات وبرامج العقد الموضوعة سلفا تعرف طريقها إلى التنفيذ وفق الأجندات المحددة رغم بعض الصعوبات التي قد تطرأ هنا وهناك.

على أن من أهم التطورات التي عرفتها السياسات العمومية في هذه السنة، وضع استراتيجية التسريع الصناعي، وهو مشروع ذو طابع استراتيجي حاسم، سواء بحكم جاذبية القطاع للاستثمارات الوطنية والأجنبية، أو لتحريك سوق الشغل، أو، وهذا هو بيت القصيد، حجز موقع لبلادنا ضمن الاقتصاديات الصاعدة.

إننا نتطلع إلى أن يتيح المخطط الجديد لتسريع التنمية الصناعية ببلادنا، الذي يعتبر امتداداً لبرنامج «الإقلاع الصناعي» لسنة 2005، تقوية مناعة وتنافسية الاقتصاد المغربي وتعزيز مكانته بين الدول الصاعدة، وإحداث تحول كبير في بنية النسيج الاقتصادي الوطني وفي بنية الناتج الداخلي الخام، لتحقيق توازن أفضل مع قطاعات الفلاحة والتجارة والخدمات.

حضرات السيدات والسادة،

إن الإنجازات التي حققتها الحكومة بتنفيذ قانون المالية لسنة 2014 والتي أوفر أمامكم كثافة أرقامها وتفاصيل أوراشها، لتجعلنا مطمئنين إلى تحقيق التوقعات والخطط التي يتضمنها مشروع القانون المالي لسنة 2015، خاصة وأنه مشروع مؤسس على توقعات واقعية قابلة للإنجاز، فضلا عن كونه سيزيد من تعزيز ثقة المستثمر والفاعل الاقتصادي الوطني والأجنبي.

إن الرفع من نسبة الاستثمار ب9 في المائة يعتبر لوحده إشارة قوية، لا فقط إلى التزام الدولة بتفعيل الحركة الاقتصادية والمالية، ولكن كذلك إلى كون شروط الاستثمار في تحسن مستمر خاصة بعد التطور الإيجابي المشهود به في مجال مناخ الأعمال وتسهيل الاستثمار، باعتراف من عدد من الهيئات المهنية الوطنية ومن عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية المختصة.

كما أن السير في اتجاه مزيد من تقليص عجز الميزانية إلى حدود واقعية أي 4.3 في المائة مع تحقيق نمو بنسبة 4.4 في المئة وخفض عجز ميزان الأداءات إلى 6 في المائة تعتبر مؤشرات إضافية تؤكد استمرار نهج التحكم في التوازنات الكبرى.

من جهة أخرى يعتبر الرفع من عدد مناصب الشغل المحدثة بمعدل 25 في المائة إضافة لباقي الإجراءات التحفيزية في مجال التشغيل، إشارة دالة موجهة إلى عالم المقاولة من أجل بذل مزيد من الجهود في مواجهة آفة البطالة وتنمية الحس المقاولاتي ومبادرات التشغيل الذاتي لدى شبابنا، ومن ضمنها مشروع المقاول الذاتي الذي في مراحله الأخيرة من التشريع والذي سيفتح آفاقا جد واعدة في ميدان التشغيل وتشجيع المبادرة الحرة.

حضرات السيدات والسادة،

لقد أبدت الحكومة استعدادا واضحا للحد من الفوارق الاجتماعية، لا أدل على ذلك من تخصيص 52 في المائة من الميزانية العامة لصالح القطاعات الاجتماعية، فضلا عن الاستمرار في دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والاقتصاد الاجتماعي ودعم الأنشطة المدرة للدخل والعناية بالعالم القروي. دون أن ننسى الدور المهم لصندوق التماسك الاجتماعي والدعم الموجه للأرامل. وفي هذا الإطار بالذات اسمحوا لي، حضرات السيدات والسادة، لتسجيل وقفة لا بد منها.

إننا في فريق التجمع الوطني للأحرار نعتقد أن الفوارق والخصاص الاجتماعي، لا يمكن مواجهتها بآليات ميزانياتية، بقدر ما تحتاج إلى إصلاحات عميقة وفي مقدمتها التنزيل الفعلي والسليم لمشروع الجهوية.

إننا نؤمن بأن الجهوية هي الوعاء الأفضل لسياسة القرب على المستوى الاجتماعي والتنموي لعدة أسباب أهمها أن الجهوية ستمكن من وضع سياسات تستجيب للتباينات الحاصلة ما بين الجهات، فلا يخفى أن الفوارق المجالية تنتج فقرا متفاوتا، واحتياجات متفاوتة وفق خصوصيات كل جهة ومدى استفادتها من مجهودات التنمية.

ولعل الجهوية هي الإطار الوحيد الذي سيمكن من وضع استراتيجيات للتنمية وفق الشروط المكانية، كما يمكن من تحديد الأولويات الاجتماعية التي تتباين من جهة لأخرى.

لذلك فنحن، كلنا، والحكومة في المقدمة، مدعوون إلى التسريع في إنجاز هذا الإصلاح المفصلي الذي بدونه ستبقى السياسات الاجتماعية ذات أثر محدود.

هذا فضلا عن كون هذا الإصلاح سيستجيب للقرار الملكي السامي اتجاه أقاليمنا الجنوبية، سواء تعلق الأمر بالتمثيلية والتدبير الجهوي لشؤون المواطنين، أو بتنزيل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، من أجل حكامة اقتصادية تقطع مع آفة الريع، في كل جهات المملكة وتوسع دائرة المبادرة الحرة وخلق الثروة.

وبقدر ما نعتبر هذا الإصلاح من الرهانات الجوهرية التي علينا التصدي لها بسرعة وفعالية، فإننا نعتبر كذلك استكمال تنزيل القانون التنظيمي لقانون المالية أمرا مستعجلا، فقد كنا نتطلع إلى أن يتم إعداد مشروع قانون المالية 2015 وفق قانون تنظيمي جديد، أما وأن ذلك لم يتحقق بعد، فإننا لا نخشى من لوم أنفسنا ولوم الحكومة، لأننا لم نعمل بالوتيرة المناسبة وبالشكل اللازم لإخراج القانون التنظيمي قبل إعداد مشروع الميزانية، الشيء الذي فوت علينا سنة إضافية للإصلاح لما له من انعكاس على مستوى إعادة هيكلة المالية العمومية وإعادة ترتيب المسؤوليات في العلاقة بالشأن المالي.

وعلى نفس منوال الإصلاحات الكبرى التي تنتظر، لا بد من جعل الشهور المقبلة فترة لإصلاح أنظمة التقاعد الذي طال انتظاره.

إننا إذ نثمن التواصل الأخير والجدي بين الحكومة والنقابات، نؤكد على ملحاحية الإصلاح لكن بشروط واضحة، أولها التوافق بين كافة الفرقاء، ثانيا التدرج في الإصلاح، وثالثا عدم المساس قطعا بالحقوق المكتسبة للمستفيدين وضمان كرامتهم.

حضرات السيدات والسادة

إن فريق التجمع الوطني للأحرار إذ يدعم بكل قناعة مضامين مشروع الميزانية، يسجل أنه لحد الآن لم يتم إحراز تقدم في التوظيف الإيجابي للرأسمال غير المادي. صحيح أن الميزانية ليست وحدها مجالا لهذا التوظيف بحكم أن هناك عناصر تستدعي تدخلات من نوع آخر، من قبيل استثمار الاستقرار وأجواء التعايش والتسامح، في جلب الاستثمارات والتقريب بين المغرب وشركاء جدد، فهل يعقل أن هذه النعمة التي تتميز بها بلادنا في ظل الأجواء المتفجرة من حولنا، لا تساهم في دعم نمونا وتدعيم شراكاتنا مع الخارج؟

هذا مجرد مثال يؤكد حاجتنا إلى اجتهاد كبير ومتضامن من أجل الخروج بالصيغة المثلى لترجمة هذا التوجه إلى مردود مادي يعود بالنفع على المواطنين.

 

السيد الرئيس المحترم ،

السيدات والسادة الوزراء المحترمين،

السيدات والسادة النواب المحترمين ،

لا أريد أن أثقل عليكم بتفاصيل أخرى ناقشناها بما يكفي داخل اللجنة المختصة، إذ أعتبر أنني أوردت الجوانب الضرورية ووقفت عند الإصلاحات الملحة التي لا تتحمل الانتظار. وعليه فإن تسريع وتيرة عملنا والرفع من مستوى نقاشاتنا والتركيز على ما ينفع الناس، سيكون له بالغ الأثر في استدراك التأخر الحاصل في بعض المجالات، وذلك تماشيا مع التوجيهات التي تفضل صاحب الجلالة وخصنا بها في خطابه السامي يوم افتتاح السنة التشريعية الحالية، وانسجاما مع أمانة تمثيلية المواطنين التي تطوق أعناقنا.

ولا أريد أن أختم هذه المداخلة دون التنويه بمستوى الانسجام والمسؤولية اللذين يطبعان عمل الأغلبية المساندة للحكومة، وحجم العمل المشترك في أجواء راقية رغم اختلاف التقديرات السياسية في بعض الأمور، وهو أمر عادٍ في أي تحالف.

كما أود التنويه برحابة صدر الحكومة التي تفضلت بقبول عدد من التعديلات التي قدمناها والتي توخينا من ورائها دعم القدرة الشرائية للمواطنين ودعم المقاولة التي هي الخلية الأساسية لإنتاج الثروة وللتشغيل.

  

حضرات السيدات والسادة ،

إننا معنيون، كلنا، بالعمل من أجل تحقيق القفزة التي تجعلنا ندخل بكل جدارة نادي الدول الصاعدة، رغم كل العقبات التي يحاول الخصوم شغلنا بها والنزول بنا إلى المستنقعات التي استحلوا العيش فيها.

إننا أصحاب نموذج ، نعم حضرات السيدات والسادة،

إننا أصحاب نموذج يستجيب لحركة التاريخ، ولا خيار لدينا غير التشبث بهذا النموذج وتقويته وتجذيره، باعتباره طريقنا نحو تحقيق الكرامة والعدل والمساواة بين إخواننا وأخواتنا في كل ربوع البلاد.

شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله.