كلمة السيد شفيق رشـــادي، نائب رئيس مجلس النواب في الاجتماع التأسيسي لاتحاد البرلمانيين الأفارقة الشباب

كلمة السيد شفيق رشـــادي، نائب رئيس مجلس النواب في الاجتماع التأسيسي لاتحاد البرلمانيين الأفارقة الشباببسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أَشْرف المرْسَلين

السيد وزير الشؤون الخارجية والتعاون
السيد رئيس الاتحاد البرلماني الدولي
السيد رئيس برلمان عموم إفريقيا
السادة سفراء البلدان الشقيقة بالمغرب،
السيد رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج،
زميلاتي زملائي البرلمانيون،
حضرات السيدات والسادة

أود بداية أن أبلغكم اعتذار السيد راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب الذي لم يتمكن بالنظر لالتزامات طارئة من الحضور معكم في هذه الجلسة الافتتاحية، ومتمنياته لأشغالكم بكامل التوفيق والنجاح، وأود أيضا أن أعبر باسم السيد رئيس مجلس النواب وكافة السيدات والسادة أعضاء المجلس عن مشاعر الاعتزاز والابتهاج في هذه اللحظة التاريخية التي نلتقي فيها، هُنَا في الرباط على أرض المملكة المغربية،

وذلك في أول اجتماع تأسيسي لاتحاد البرلمانيين الأفارقة الشباب نعتز بشرف استقباله واحتضانه في أفق تعزيز إطارات العمل الأفريقية، وتقوية النسيج البرلماني والديموقراطية التمثيلية في قارتنا الأفريقية.
اسمحوا لي أن أرحب بكم وبكن جميعاً، وبهذا الحضور الأفريقي الكريم الذي نسعد به في لقاء نتطلع إلى أن يضع الأسس لبناء برلماني جديد يتجاوب مع إرادة الشبيبة الأفريقية، ويعبر عن أفكارها ومتطلباتها الجديدة.

وما من شك أن هذا الاتحاد سيوفر لنا جميعا إطارا آخر للتواصل والتنسيق في إطار عملنا البرلماني، للدفاع عما يجمعنا كأفارقة من قيم ومبادئ، وما يستدعي توحيد جهودنا وتجميع طاقاتنا قصد مواجهة المعضلات والمشاكل التي تعرفها القارة الأفريقية، خصوصا في ظل التحولات البنيوية العميقة التي يشهدها عالم اليوم.

وإن أملنا لكبير في أن نوفر الجهد الأوفر لخدمة تطلعات الأجيال الأفريقية الجديدة التي تنضاف حاجياتها إلى الحاجيات المعتادة للقارة السمراء خلال أكثر من نصف قرن، على الأقل منذ أن بادرت البلدان الأفريقية والصديقة إلى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، وكان المغرب ضمن أول المتحمسين المبادرين المساهمين في تجميع الإرادات الأفريقية في إرادة واحدة مشتركة على أمل بناء قاري متماسك.

من المؤكد أن الكثير من التحولات حدثت على مستوى التاريخ والجغرافيا والسياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، خلال نصف القرن المنصرم، لكن الإرادة الأفريقية ظلت حاضرة في مواجهة الأزمات الجهوية والآفات الاجتماعية، وأصبحت قارتنا ينظر إليها كونيا نظرة مختلفة، نظرةً ما بعد كولونيالية، جعلت الجميع في مختلف القارات يراجعون أفكارهم المسبقة، ويتجاوزون الجهل بمعطيات القارة الأفريقية، وبرصيد شعوبها من الحضارة والثقافة والتاريخ الإنساني والنضالي، حيث أصبح الجميع اليوم مقتنعا بالمكانة المركزية لإفريقيا في حل مشاكل عالم اليوم، وفي تحقيق طموحات البشرية في العيش الكريم بالنظر لما تتوفر عليه من إمكانيات ومؤهلات بشرية وطبيعية هائلة.
لقد انتصرت قارتنا الأفريقية على الأبارتايد ووفرت للعالم الحديث أقوى وأفضل أيقونات التضحية الانسانية أبرزها المناضل الأفريقي الكبير الراحل نيلسون مانديلا، وانتصرت في معارك التحرر، وانتصرت على منطق القبلية البدائية التي كادت تصبح في مراحل تاريخية معينة صورة نمطية لقارتنا في الدراسات الكولونيالية والاستشراقية المعطوبة. كما انتصرت قارتنا فكريا بما منحته للعالم المعاصر من منجزات حضارية وإبداعية غير مسبوقة، إذ يكفي أن نتأمل ما حصلته القارة من جوائز كونية متعددة وفي مقدمتها

عدد من جوائز نوبل للسلام والعلوم والآداب، وعدد من جوائز الغونكور (Goncourt) الفرنسية، والبوكر (Booker) البريطانية، والأستورياس الاسبانية، وغيرها من جوائز وأوسمة الاعتراف والتقدير.
إن التأسيس لإطار برلماني شبابي أفريقي لا ينبغي أن ننظر إليه إلا انطلاقاً من هذا الرصيد التاريخي للقارة الأفريقية، ومن إلحاح المعركة الكبرى المتواصلة التي ينبغي أن ينخرط فيها القادة الجدد للقارة معركة البناء الديمقراطي والتأهيل الاقتصادي والاجتماعي، وترسيخ السلم والأمن والاستقرار، ومجابهة الإرهاب، وكل مخططات الانفصال والتجزئة.
وبهذا المعنى، فإن العمل البرلماني الأفريقي لممثلي الشعوب يوفر إحدى أدوات العمل المركزية لتعزيز هذا الرصيد وتقويته، خصوصا حين يتعلق الأمر بجيل برلماني جديد شاب مشدود إلى المستقبل وتطلعاته مثلما كان شريكاً ومساهما في معارك الاستقلال والتحرر وفي المعركة الكبرى ضد سياسة الميز العنصري (الأبارتايد)، وذلك في إطار شراكة استراتيجية بين بلدان القارة الافريقية وشعوبها على أساس المصالح المشتركة وتبادل الخيرات والمنافع والثروات.

ولاشك أن التحديات الكبرى المطروحة على قارتنا هي نفسها المطروحة على شباب القارة بل تمسه في العمق، وإن أي حلول عقلانية لمعضلاتنا المشتركة هي استجابة جدية وحقيقية لمتطلبات وحاجيات الشباب أولا.

علينا أن نتذكر أن 200 مليون نسمة من الساكنة الأفريقية هم من الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. ومعلوم أن القارة تتوفر على بنية ديموغرافية هي الأكثر شباباً في العالم، وفق إحصائيات المنتظم الدولي (BAD وPNUD)، بل ويتوقع أن يضاعف هذا الرقم في أفق سنة 2045.

إن قارتنا تتوفر على احتياطي بشري شبابي هائل يمكن أن يشكل رافعة للبناء الاقتصادي والرفاه الاجتماعي والمادي. ومعلوم أن حوالي 10 إلى 12 مليون شاب وشابة يصلون سنويا في سوق الشغل، وعلى القارة الأفريقية أن توفر لهم أبسط الضمانات والإمكانيات ليحظوا بهذا الحق الذي يوفر لهم الكرامة والاحساس بالقيمة الانسانية والاجتماعية.

حضرات السيدات والسادة،
إن المغرب الذي أضحى اليوم ملاذاً أو معبراً لآلاف الوافدين من الشباب الأفريقي من بلدان شقيقة أو صديقة جنوب الصحراء، ليدرك بالملموس مخاطر الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الكثير من الأقطار الأفريقية، وما يعانيه شباب القارة من محن ومتاعب ومغامرات مؤسفة لقطع المسافات صعوداً إلى الشمال الأفريقي بحثا عن أمل في العبور إلى أحلام وأوهام الحياة في البلدان الأوروبية.

إن بلادنا التي عرفت ظاهرة الهجرة وكانت مصدراً للهجرة إلى العالم، خصوصا إلى الأقطار الأوروبية، باتت اليوم وجهة للهجرة الأفريقية، معبراً ثم مقرا للإقامة.

وهذا ما جعل المغرب بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله يضع استراتيجية وطنية متقدمة وجريئة للهجرة نالت تقدير وانتباه العديد من البلدان والمنظمات الدولية ذات المصداقية، ويتعلق الأمر بسياسة عمومية للهجرة تهم وضعية اللجوء وطلب اللجوء وصياغة خطة إدماجيه للاجئين وأسرهم، وضمنهم وفي مقدمتهم اللاجؤون الأفارقة، وذلك وفق نظرة إنسانية حقوقية تضمن تسوية استثنائية لبعض فئات المهاجرين، ومكافحة الاتجار في الأشخاص.
ولاشك أنكم تدركون جميعاً أن هذا التوجه للمغرب نحو جنوبه الأفريقي، إنما يترجم أفقه الاستراتيجي الشامل للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والحقوقي والثقافي واللغوي، ويتجاوب مع منظور المغرب لوضعه الأفريقي والمتوسطي والمغاربي كبلد شكل على الدوام جسراً للربط الأفريقي – الأوروبي، جغرافياً وتاريخياً وحضارياً وإنسانيا.

ومن الطبيعي أن الشباب كان في عمق منطلقات مشاريع الاصلاح التي أنجزها المغرب، وبالتالي حين كانت بعض الأقطار العربية تخوض ما وصف بربيعها الديموقراطي، كان المغرب يواصل تراكم إصلاحاته الجوهرية مشيدا ثورته الهادئة وتغييراته الناضجة، ويوفر لشبابه المزيد من فضاءات التعبير والتمثيل السياسي.

ومن هنا، ظل الاهتمام بالشباب الأفريقي أولوية من أولويات علاقات المغرب مع شركائه الأفارقة، سواء من حيث المساهمة في تكوين الأطر الأفريقية بل إن ذلك هو أحد الانشغالات المركزية للوكالة المغربية للتعاون الدولي.

وإننا لنعتز بآلاف الأطر الشابة التي تخرجت من جامعات المغرب ومعاهده ومدارسه الوطنية العليا، في مختلف التخصصات والتكوينات المعرفية والعلمية والتقنية والمهنية. ولاتفتأ المملكة المغربية تستقبل سنويا مئات الأطر الشابة الأفريقية، وفقط خلال الموسم الجامعي والدراسي الماضي 2014-2013 استقبل المغرب أكثر من ستة آلاف إطاراً من حوالي أربعين بلداً أفريقياً.

كما أن %90 من هؤلاء الطلاب الأفارقة يحظون بمنحة من الحكومة المغربية، وحوالي %20 منهم يتابعون دراساتهم العليا على مستوى الماستر والدكتوراه، علماً أن هذا العدد من الطلاب تضاعف خلال خمس سنوات بل ازداد ثلاث مرات أكثر خلال الـ 15 سنة الأخيرة.

وبقدر ما نحن معتزون بهذه الروح، وبهذه الشراكة، بقدر ما نجدد إرادتنا القوية لمواصلة الارتقاء بعلاقاتنا مع فضائنا الأفريقي، وتطوير وتوسيع شراكاتنا مع أشقائنا وأصدقائنا داخل القارة. ومن المؤكد أن اتحادكم، اتحاد البرلمانيين الأفارقة الشباب سيشكل إضافة نوعية لإطارات العمل الافريقي المشترك.

ولذلك فإن البرلمانيين المغاربة المنخرطين دوما في كل مبادرات وإطارات التنسيق بين المكونات البرلمانية الأفريقية، ليعتبرون أن هذا الاتحاد يشكل أداة لعملنا الوحدوي الأفريقي ومكسباً لأدائنا البرلماني الجاد والهادف وللفاعلين الشباب في واجهات العمل البرلماني والسياسي. ومن هنا، لا يسعني إلا أن أنوه بهذه المبادرة وبكل من ساهم في تحضيرها وضمنهم زميلنا السيد النائب البرلماني الشاب محمد المهدي بنسعيد، رئيس لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين في الخارج.

مرة أخرى أجدد الترحيب بكم في بلدكم الثاني، المغرب، وأتمنى لكم مقاماً طيباً في الرباط. ومعاً سوياً إن شاء الله على طريق العمل الأفريقي المثمر وفي خدمة أفريقيا والأفارقة جميعاً.
وشكرا لكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

شفيق رشــــادي
نائب رئيس مجلس النواب