مداخلة النائب وديع بنعبد الله رئيس الفريق التجمعي بمجلس النواب باسم فريقي التجمع الوطني للأحرار بالبرلمان بمناسبة مناقشة عرض الحصيلة المرحلية للحكومة

مداخلة النائب  وديع بنعبد الله رئيس الفريق التجمعي بمجلس النواب باسم فريقي التجمع الوطني للأحرار بالبرلمان بمناسبة مناقشة عرض الحصيلة المرحلية للحكومةالرباط في 21 يوليوز 2014

بسم الله الرحمن الرحيم
السيد رئيس مجلس النواب المحترم؛
السيد رئيس مجلس المستشارين المحترم؛
السيد رئيس الحكومة المحترم؛
السيدات والسادة الوزراء المحترمين؛
السيدات والسادة النواب والمستشارين المحترمين؛

يسعدني باسم فريقي التجمع الوطني للأحرار بالبرلمان أن أبسط أمامكم رأينا في ما يخص النقاش الجاري حول الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة. وقد لا يختلف معي الكثيرون إذا أكدت أنه حتى قبل النظر في الحصيلة وتفاصيلها، والتعبير عن الرأي والرأي المضاد، فإن أول ما يجب الوقوف عنده هو المغزى الديمقراطي العميق لهذا التمرين، باعتباره يرتب الأمور وفق ما تقتضيه أسس الحياة الديمقراطية الراقية، وما تقتضيه العلاقة المثلى بين المؤسسات في دولة المؤسسات، وما تستدعيه فلسفة الانتداب الشعبي حتى قبل التأصيل الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة. لذلك لا يمكننا إلا أن ننوه بهذا التجسيد العملي للسير على طريق النضج الديمقراطي.
كما يسعدنا كتجمعيين أن نشارك في بناء هذه اللحظة، والحال أن هناك من يرى في موقعنا تعبيرا عن التباس أو حتى عن تناقض، فيما لا نرى فيه نحن سوى تجسيدا لمستوى من النضج السياسي والديمقراطي في بلادنا.
وهنا قد يتبادر السؤال: هل يصح الحديث عن النضج السياسي والديمقراطي والحال أن انتقاد الحياة السياسية الوطنية واستهجان بعض مظاهرها يكاد يكون لازمة يومية لكل مهتم ومتتبع؟ بالنسبة إلينا نعتبر أنه رغم ما قد يبدو من تناقض، فإن معطيات كثيرة تنتصر لرأينا ذاك.
الكل يتذكر أن دخولنا الحكومة لم يكن في ظروف تدبير حكومي عاد يتوخى مجرد مزيد من الانفتاح أو تجديد الحيوية أو ضخ نفس جديد، بل كان ذلك في ظروف قاهرة أملت ما تلاها من تطورات، ليجد مكونان أساسيان كانت العلاقة بينهما بالأمس القريب تنتظم وفق تقابل موقعيهما، الأغلبية والمعارضة، يتقاسمان البيت الحكومي، يتقاسمان المسؤولية، يتقاسمان الطموح، يتقاسمان ضرورات الهندسة الدقيقة الحذرة لمباشرة الكثير من الأمور التي لا تكون بالضرورة محط تطابق كلي في النظر؛ كل هذا من أجل تجاوز وضع صعب كان ينذر، في حال استمراره، بتطورات غير مستحبة.
وفعلا أكدت الفترة الأخيرة التي تقارب العشرة أشهر، أن التساكن داخل البيت الحكومي ليس بالأمر المستحيل، وأن الحدود التي عادة ما ترسمها صراعات التباينات السياسية والأيديولوجية لا تنفي إمكانية هذا التساكن (Cohabitation) ولا قدرته على إنتاج الثمار الطيبة حين تكون مصلحة الوطن هي المبتدأ والمنتهى. غير أن ذلك لا يعني لباس عباءة واحدة بمقاس واحد، ولكن يعني الالتزام بمشترك محدد ومعلوم، مع الحفاظ لكل طرف في نفس الوقت على مميزاته ورؤيته. أكثر من ذلك، عملت هذه التجربة على إصلاح الكثير من الأعطاب، وأبانت، وهذا هو الأهم، أن المغاربة، قد تفرقهم أشياء كثيرة، ولكن قدسية الوطن تجمعهم في كل الظروف؛ وأن السواعد التي تتنافس في قياس القوة، سرعان ما تتعاضد في قياس الوطنية، وهذا لعمري وجه من أوجه العبقرية المغربية، وتجسيد لما وصفته آنفا بالنضج السياسي والديمقراطي، ما يجعلنا فخورين بالانتماء لهذه الحكومة، ولبناء هذه التجربة، وفخورين أكثر بأن نرفع صوتنا ونصيح في صحراء الديمقراطية والتمدن التي تتسع هذه الأيام من حولنا، لنقول إننا هنا نجعل الاختلاف اسمنتا للبناء لا دكاكة للهدم، ونؤمن أن لا شيء خير كله ولا شيء شر كله، ولكن العبرة بالنبراس المضيء لطريقنا، الذي ليس سوى الثوابت المقدسة لأمتنا ولبلدنا.

السيد رئيس الحكومة ،
السيدات والسادة،

إن تقييم الحصيلة الحكومية في منتصف الولاية هو في الحقيقة جزء من تقييم الوضع العام للبلاد، والوقوف عند التطورات والمسارات التي تتخذها، إن سلبا أم إيجابا. ورغم أن هذا المعطى يبدو بديهيا فاستحضاره ضروري من أجل امتلاك منهجية موضوعية، ذلك لأنه لا وجود لشيء معزول عن محيطه، أو بدون جذور وبدون امتدادات؛ فحكومة اليوم محطة ضمن مسار، وأداؤها يتغذى من هذا المسار ويضيف إليه أشياء في سياق البناء.
وفي هذا الصدد لا يختلف إثنان في كون المغرب لم يشهد قطائع في السنوات الأخيرة بالنظر للأحداث والتحولات التي شهدتها المنطقة، بل عرف محطات نوعية في ظل الاستمرار. ومن البديهي أن الحكومة جاءت من داخل هذا الإطار لا من خارجه، أي أن طابع الاستمرار هو الحاسم، مع ما تستدعيه التطورات والانتظارات التي هي من صلب المجتمعات الحية، من ضرورات الاجتهاد والإبداع والحفاظ على وتيرة التقدم ودعمها وتسريعها.
لقد عرفت بلادنا منذ نهايات القرن الماضي، دينامية إصلاحات قوية شملت المجالات الحاسمة في تطور البلاد؛ تغير معها وجه المغرب تدريجيا عبر السنين، لدرجة أن بعض المجالات تجاوزت طموحات البداية، ونخص بالذكر هاهنا مجال البنى التحتية حيث لم يكن من السهل تجاوز النقص الحاد والانتقال في ظرف وجيز نسبيا، إلى وضع أصبح فيه التنقل وتدبير اللوجستيك بأحدث الطرق متيسرا وبوسائل متنوعة. وبالطبع لا زال أمامنا الكثير من المجهود قصد بلوغ الوضع المأمول.
هذا مجرد نموذج، وعلى منواله تمت إصلاحات اقتصادية كبرى، تطورت مع الزمن، منها ما أعطى الكثير، ومنها ما أعطى أقل، ولكنها إصلاحات كانت أساسية لضمان مناعة البلاد أمام عاديات الزمن وتقلبات العولمة، رغم أن عددا من الاستراتيجيات التي تم بناؤها آنذاك احتاجت لسنوات طويلة حتى تبدأ ثمارها في النضج كأي شجرة مثمرة، من قبيل صناعة السيارات والإلكترونيك التي عرفت دفعة قوية قبل 10 سنوات، فهل كان بالإمكان أن ترتفع نسبة تغطية الصادرات للواردات إلى 49.8 خلال الستة أشهر الأخيرة لولا ارتفاع صادرات السيارات ب35 في المائة والالكترونيك ب25.9% في نفس الفترة قياسا بمثيلتها السنة الماضية؟ وهل كان بالإمكان أن تدر السياحة 58 مليار درهم برسم السنة الماضية لولا تعهد هذا القطاع بالتنمية والتتبع من طرف الحكومة لاستكمال استراتيجيات وضعت قبل سنوات طوال؟
مرة أخرى السيد رئيس الحكومة المحترم ، هذه مجرد نماذج للدلالة على منطق الاستمرارية الذي لا ينفي إرادة التغيير دون قطائع.
كما عرفت بلادنا إصلاحات سياسية عميقة بدأت مع الانفتاح على المعارضة الذي خلف أول حكومة للتناوب سنة 98 ، وليشهد تطورات التي صبت كلها في تجذير التجربة الديمقراطية، من خلال تكريس نزاهة الانتخابات وفتح ورش الجهوية وصولا لاعتماد الدستور المتقدم لسنة 2011.
وبموازاة مع ذلك عرفت بلادنا إصلاحات كبرى على مستوى حقوق الأفراد والجماعات لا شك أن أروعها على الإطلاق تجربة الإنصاف والمصالحة، فضلا عن التقدم في رفع الحيف عن نصف المجتمع من خلال مدونة الأسرة التي أعادت الاعتبار، المعنوي قبل المادي، للمرأة المغربية المكافحة والمبدعة. وهل نحتاج اليوم إلى دليل على أحقية المرأة في المساواة وتكافؤ الفرص أكبر من احتلال فتياتنا هذه السنة للمراكز الأولى في نتائج امتحانات الباكالوريا، بل إن واحدة من بنات هذه البلاد تحولت هذه السنة إلى ظاهرة شدت أنظار فرنسا من أقصاها لأقصاها.
كما لا يمكن إغفال أحد الجوانب الثورية في الإصلاحات متمثلا في إعادة الاعتبار لتعدد وغنى الهوية الوطنية من خلال الاعتراف بالأمازيغية عبر محطات حاسمة، بدء من خطاب أجدير التاريخي وما تلاه من تأسيس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وصولا إلى دسترة اللغة الأمازيغية.
وبعد هذه وتلك لا يمكن إغفال الدور الحاسم لتدبير الحقل الديني الذي حول المغرب إلى وجهة لتكوين الأئمة من الدول الصديقة، وجعل التجربة المغربية في تشبثها بهويتنا الدينية المعتدلة السمحة، مطلوبة يُنظر إليها بعين الإعجاب في زمن كادت تطغى فيه مظاهر التطرف والتعصب التي أضفت على الدين صورة التنفير والترهيب.
هذا فضلا عن القفزة التي عرفتها الحريات العامة بكل أصنافها وصار معها الفضاء الإعلامي السمعي والمكتوب والإلكتروني إضافة إلى المجتمع المدني من الفضاءات الأكثر تحررا ومصداقية.
السيد رئيس الحكومة ،،
إن هدفي هاهنا ليس عد محطات مؤسسة قد نتغافلها في زحمة الانشغالات اليومية، بل إن قصدي البرهنة على أن المغرب بدأ يعيش ربيعه منذ مدة غير قصيرة، بشكل تدريجي وهادئ، دون صدمات ولا اهتزازات، الشيء الذي أهل البلاد للصمود أمام أكبر هزتين شهدتهما السنوات الأخيرة: الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي أنتجت أوضاعا كارثية في جهات عدة من العالم، والحراك الاجتماعي في المنطقة الذي يكاد يدمر بلدانا بكاملها ويهدد المنطقة بالسقوط في ثقب أسود لا أحد يعرف نهايته.
لقد شكلت هذه الإصلاحات المتراكمة على مدى قرابة عقدين العمود الفقري لما يعرف اليوم بالنموذج المغربي، وهو النموذج الذي وفر، بقيادة صاحب الجلالة، ما يكفي من المناعة ليمتص المغرب صدمات الحدثين الكبيرين، وأهل المغرب للحفاظ على استقراره وسط العاصفة التي هزت المنطقة، ومكن المغاربة من الاستثمار الأمثل للظروف من خلال الإنجاز الأكبر المتمثل في الإصلاح الدستوري، ووفر إمكانية انتقال المعارضة لقيادة الحكومة في تجربة جديدة للتناوب.

السيد رئيس الحكومة المحترم؛
الأخوات والأخوة المحترمين،

إن هذا المسلسل من الإصلاحات الذي أشرت إليه، لا زال مستمرا، فبعض هذه الإصلاحات أنجز ودخل في حكم المعتاد، وبعضها الآخر يوجد في حلقاته الأخيرة، وبعضها في بداياته، وإصلاحات أخرى تنتظر دورها.
ولقد عملت الحكومة على مباشرة هذا المسلسل وفق أجندتها، نورد هنا بعضا من منجزاتها على سبيل المثال لا الحصر، من قبيل فتح ورش إصلاح العدالة الذي توج بصدور ميثاق إصلاح منظومة العدالة وتطوير فعالية ونجاعة القضاء.
وفي إطار تسريع وتيرة تنزيل الدستور والإعداد لاستكمال انتخاب الهيئات الجديدة وفق منطوق دستور 2011، بادرت الحكومة إلى إطلاق مسلسل بناء منظومة الجهوية مع ضمان المقاربة التشاركية في جميع أطوار العملية.
وعلى المستوى الاجتماعي واصلت الحكومة دعم المواد الأساسية بموازاة إطلاق مبادرات قصد الإصلاح التدريجي لصندوق المقاصة الذي تقلصت تكلفته إلى أقل من 4 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
كما تم تفعيل صندوق دعم التماسك الاجتماعي الموجه لصالح الفئات المعوزة والهشة والشروع في تعميم نظام المساعدة الطبية راميد وتخفيض أسعار ما يقارب 1600 دواء.
وعلى مستوى التشغيل وفرت الحكومة ما يناهز 68000 منصب شغل، إضافة لدعم برامج التشغيل المتوفرة وإحداث نظام ضريبي خاص قصد تحفيز التشغيل الذاتي ودعم مختلف البرامج الموجودة.
وعلى المستوى الاقتصادي عملت الحكومة على تدارك الاختلالات المالية التي صاحبت ظروف الحراك المجتمعي وانعكاسات الأزمة العالمية، حيث تحملت الدولة الكلفة المالية إذ بلغت فاتورة الحوار الاجتماعي 50 مليار درهم كما جاء في عرضكم السيد رئيس الحكومة. هكذا تمكنت الحكومة من تقليص كل من عجز الميزانية والعجز الخارجي بنسبة نقطتين:
من 7.3 سنة 2012 إلى 5.5 سنة 2013 بالنسبة لعجز الميزانية ،
ومن 9.7 الى 7.6 بالنسبة للعجز الخارجي في نفس الفترة.
كما عملت الحكومة على استئناف الدور الريادي للاستثمار العمومي حيث بلغ 186 مليار درهم ضمن قانون المالية لسنة 2014 مع تطبيق الأفضلية الوطنية قصد تمكين المقاولات المغربية من الاستفادة أكثر من الاستثمار العمومي.
ودعما للمقاولة دائما واصلت الحكومة تقليص الضريبة على الشركات إلى 10 في المائة ما لم تتجاوز الأرباح 300 ألف درهم، فضلا عن عدد من الإجراءات التي جاءت مفصلة في عرضكم السيد رئيس الحكومة، نذكر منها على الخصوص تقليص آجال استخلاص الضريبة على القيمة المضافة.
وعلى مستوى المالية العمومية عملت الحكومة على عرض مشروع القانون التنظيمي للمالية على أنظار البرلمان متطلعة إلى أن يتم إعداد قانون المالية 2015 وفق قانون تنظيمي جديد يتماشى وأهداف الفعالية والنجاعة وتقوية سلطة البرلمان في التتبع والمراقبة.
كما عكست النتائج المالية والاقتصادية للنصف الأول من القانون المالي الحالي، والتي قدمها السيد وزير الاقتصاد والمالية منذ ثلاثة أيام أمام اللجنتين المختصتين بالبرلمان، تطور الدينامية العامة وتحسن الأداء الاقتصادي والمالي. وقد كان من نتائج ذلك الثقة التي حظيت بها بلادنا من لدن هيئات التصنيف الائتماني، حيث رفعت وكالة استاندد أند بورز تقييمها المستقبلي من سالب إلى مستقر في إطار درجة “استثمار”، فضلا عن تجديد اتفاقية خط الوقاية والسيولة مع صندوق النقد الدولي لسنتين إضافيتين.
السيد رئيس الحكومة ، إن هذه المعطيات التي تنضاف لأخرى من قبيل ارتفاع تدفق الاستثمارات، وتراجع العجز التجاري، وارتفاع الموجودات الخارجية لمستوى تغطية 5 أشهر من الواردات، ونمو الأنشطة الصناعية الأساسية، تشكل في مجملها مؤشرات دالة على الثقة المتنامية التي يحظى بها الاقتصاد الوطني لدى المستثمرين والممولين، ما يفتح آفاقا واعدة مع بداية تعافي اقتصاديات منطقة اليورو وتنويع شركائنا وأسواقنا الخارجية.

السيد رئيس الحكومة،
السيدات والسادة المحترمين،

لقد شهدت قضيتنا الوطنية الأولى تطورات متلاحقة عبر فيها الخصوم عن إصرار غير مسبوق على المس بسيادة المغرب ومصالحه الاستراتيجية. في المقابل عملت الحكومة تحت التوجيهات السامية لصاحب الجلالة على نهج ديبلوماسية نشيطة ومتعددة الأبعاد، لا فقط في ما يخص تدبير ملف الوحدة الترابية، ولكن في تدبير العلاقات الخارجية لبلادنا بشكل عام.
هكذا بدا واضحا وجود رؤية لبناء علاقات خارجية تعتمد التعاون جنوب-جنوب وتسعى لاستثمار الجذور التاريخية والجغرافية والثقافية لبلادنا قصد بناء علاقات جديدة، تحضر فيها قضيتنا الوطنية، طبعا، ولكن تحضر بالأساس إرادة فتح آفاق جديدة على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى الرؤية الاستباقية لتموقع المغرب في الخريطة التي تتشكل على ضوء التحولات الجيوسياسية التي يعرفها العالم.
ومن البديهي التأكيد أن هذا التوجه يقوم على مبدإ رفض التدخل في الشؤون الداخلية لشركائنا واحترام سيادة الدول وحوزة أراضيها والدفاع على السلم والأمن والتضامن بين الشعوب، كما يرتكز كذلك على نصرة القضايا المبدئية بالنسبة إلينا وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تمر بواحد من أحلك ظروفها على ضوء الهجوم البشع الذي ما زال مستمرا ، والذي يتعرض له أشقاؤنا في غزة على يد إرهاب الدولة الصهيونية.
ونظرا لما تقتضيه هذه الدينامية من تجميع للجهود، خاصة في ما يرتبط بالقضية الوطنية، استنادا للقناعة التي عبر عنها الجميع بكون القضية قضية كل مغربي، عملت الحكومة –مشكورة- على الانفتاح اتجاه مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم ممثلو الأمة، حيث عرف البرلمان حركة نشيطة تعد بنقل الجبهة الداخلية من منطق ردود الأفعال إلى منطق الفعل المنظم، الاستباقي والدائم.
كما عملت الحكومة تحت قيادة أمير المؤمنين على مواصلة سياسة تدبير الحقل الديني، بتوفيرها سبل تحقيق الاستراتيجيات المرتبطة بضمان الطمأنينة الروحية داخليا والإشعاع الروحي للمغرب على المستوى الخارجي من خلال الاستجابة لمطالب إخواننا الأفارقة في هذا المجال، ومن خلال العمل على الحضور الدائم في أوساط مغاربة المهجر، خاصة مع الانحرافات والتوترات التي تمس بالطمأنينة الروحية للمغاربة.

السيد رئيس الحكومة،
السيدات والسادة،

لقد أخذت الأغلبية البرلمانية على عاتقها مساندة العمل الحكومي رغم ما قد يكون لديها من مآخذ بين الفينة والأخرى، سواء تعلق الأمر بتأخر بعض الأوراش، أو ببطء إنجاز البعض الآخر. على أن المدة المتبقية من الولاية الحالية تحثنا على الإسراع في إنجاز الأوراش المفتوحة ومباشرة فتح أخرى، خاصة ما يرتبط بتنزيل الدستور.
في هذا الصدد لا يمكننا تأجيل أوراش تمس بشكل مباشر ويومي حياة المغاربة، ونخص بالذكر مسألة المناصفة ومسألة التنزيل الواقعي لترسيم الأمازيغية.
فالمناصفة نعتبرها داخل التجمع مسألة مبدئية، إيمانا منا بحق المرأة المغربية في المساواة وفي توفير كافة الشروط أمامها للانخراط في الحياة المجتمعية على غرار الرجل، ولا نخفيكم مدى ارتياحنا يوم دخل حزبنا هذه الحكومة ونحن نعاين إنصافا، ولو جزئيا للمرأة في ما يخص عضوية الحكومة.
كما نعتبر الالتفات الجدي والسريع للأمازيغية أمرا حاسما نظرا لارتباطه بالشخصية الوطنية وباللحمة المجتمعية التي يفخر المغاربة بصلابتها ومناعتها وعمق تجذرها في تربة بلادنا.
ومادام عرض السيد رئيس الحكومة قد أحاط بما هو أساسي في آفاق العمل الحكومي، فإنني أكتفي إلى جانب هاتين النقطتين، بإضافة نقطة واحدة تتعلق بالشباب وآفاق التشغيل، حيث على الحكومة أن تضع ذلك ضمن أولوياتها صونا لكرامة شبابنا، ما يعني ضرورة الإبداع وضرورة الاستفادة من كل الأفكار المتوفرة، وفي مقدمتها مشروع “مبادرة” للمقاولة الذاتية.

السيد رئيس الحكومة،
السيدات والسادة،

أود ألا أختم مداخلتي دون التطرق لهم يشغل بال كل فرد منا، وأقصد الأحداث الدراماتيكية التي تعرفها المنطقة العربية أمام الانفلات الخطير للإرهاب.
لقد جاءت التهديدات المباشرة لأمن واستقرار بلدنا لتذكرنا بأنه مقابل منطق البناء الذي نجتهد جميعا من أجله، هناك منطق الهدم والخراب الذي يبيته لنا من تزعجهم رؤية بلادنا آمنة مطمئنة، يسودها التسامح والتآخي ونعمة الحرية. ومما يزيد من خطورة ذلك كون بؤر الإرهاب توجد على مرمى حجر منا.
وعليه فكلنا معنيون بتحصين بلدنا من آفة الإرهاب، كل من موقعه. وفي هذا الصدد لا يمكننا إلا أن ننبه إلى عودة خطاب الكراهية والعنف، ونداءات التكفير وهدر الدماء.
وحتى لو تعلق الأمر بحالات شاذة ومعزولة، فإن الحكومة مسؤولة على أخذ الأمور بجدية وبحزم لأنه لا مكان للتطاول في بلد أمير المؤمنين، القوي بمؤسساته وهيئاته المختصة في الأمور الشرعية.
لقد جاء الظهير الأخير المتعلق بتدبير المساجد ليضع حدا لعدد من التجاوزات التي على رأسها الخلط بين الدين والسياسة، لأن من شأن ذلك إشاعة أجواء الفوضى ومس بقدسية الدين وتشويه للسياسة، وهي أمور جرت الويلات على بلدان وشعوب شقيقة، وأسالت وديانا من الدماء، وامتهنت كرامة الإنسان بشكل غير مسبوق.
وأمام هذه التطورات، ندعو الجميع إلى قياس الأمور بحجمها الحقيقي، والوقوف صفا واحدا لتحصين بلدنا، ونؤكد أننا نعتبر أنفسنا في التجمع الوطني للأحرار في خدمة المؤسسات العريقة لبلادنا وشعبنا، ولن ندخر جهدا في الدفاع عن الاختيارات الديمقراطية والمنفتحة لبلادنا تحت قيادة إمارة المؤمنين.
وأخيرا لا يفوتني هنا التنويه بكل الساهرين على أمننا وسلامتنا، في شخص القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات المساعدة والأمن الوطني والإدارة الترابية والوقاية المدنية، تحت القيادة السامية لصاحب الجلالة نصره الله وأيده.

والسلام عليكم ورحمة الله.