خطاب رئيس الحزب خلال اجتماع المجلس الوطني

سعيد بالاجتماع بكم مجددا، وسعيد بأن يتم هذا الاجتماع في أجواء هذا الشهر المبارك الذي أدعو الله أن يجعله شهر النقاء والصفاء، شهر الخير وصالح الأعمال، تقبل الله الصيام والقيام وأثاب حسن الطوية وصدق السريرة.

إن اجتماعكم اليوم ليس اجتماعا عاديا، وليس اجتماعا استثنائيا بالمعنى المتعارف عليه. اجتماعكم اليوم لحظة ديمقراطية سامية، لحظة يأخذ فيها الحزب/المؤسسة مضمونه الكامل، وتوضَع فيها المسؤولية على المحك، وتوزَن فيها الرؤية السياسية بميزان التبصر وبعد النظر، ويحسَب فيها القرار بحكمة السداد أو بتفاهة التسرع.

أمامنا اليوم دعوة للاختيار، اختيار وضعتنا أمامه عدة اعتبارات ليسعرض السيد رئيس الحكومة سوى واحد منها.

منذ ما يقارب السنتين، أي أثناء تشكيل الحكومة الحالية عقب الانتخابات التشريعية، كان الجميع يعلم بوجود رغبة واضحة لدى مكونات سياسية في أن يكون التجمع طرفا في التشكيلة الحكومية، سواء تم التعبير عنها تصريحا أو تلميحا، لكننا آثرنا في تلك اللحظة منطق الانسجام، انسجامنا مع مواقفنا وتوجهاتنا، وإيماننا أن أية تشكيلة حكومية، لا بد لها حتى تكون فعالة، من ضمان انتماء مكوناتها، إن لم يكنإلى دائرة سياسية ومذهبية وفلسفية موحدة، فعلى الأقل متقاربة؛ هذا فضلا عن أن الموقع الذي بوأنا إياه الناخبون سيسعفنا أكثر كقوة رئيسية داخل المعارضة بدل قوة أقل مركزية في الأغلبية، والحال أننا كنا قد خرجنا على التو من نقاش دستوري راق أقنع الجميع أن العطاء من موقع المعارضة ليس دائما عطاء هامشيا، وأن المعارضة ليست فقط محطة لانتظار مولا نوبة.

لكل ذلك لم يكن خيار المعارضة في حاجة للكثير من الجدل ومن التمحيص، لأنه ليست رغبة الطرف الأساسي في الحكومة ما يحدد الاختيار، رغم أهمية تلك الرغبة وما تؤشر إليه.

إن هذا التذكير، أيتها الأخوات أيها الإخوة، يقودنا لدراسة مختلف العناصر التي تدعونا اليوم مجددا للوقوف عند عتبة الاختيار، فما بين اللحظة الأولى التي كان فيها الاختيار متيسرا أثناء تشكيل الحكومة، وبين اللحظة الحالية بعد أزيد من سنة ونصف، هناك متغيرات كثيرة، ليس أقلها انفراط عقد الأغلبية واختلال البناء الحكومي، تتويجا لمسار من المنعرجات الحكومية التي لم تكن دائما هادئة أو بدون تكلفة.

إن الوضع العام ليس كارثيا، ولكنه لا يطمئن إلى حسن العاقبة، خاصة مع الانعكاسات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية التي زادتها الأزمة السياسية تعقيدا، الشيء الذي يعتبر واحدا من الجوانب التي ستفرض علينا الوقوف عندها ونحن نبني تحليلنا.

ثم إن السنة والنصف التي مضت كانت حافلة بالأحداث الكبرى، كشفت أمورا؛ صححت اعتقادات؛ نسفت بديهيات؛ بل والأهم من ذلك فتحت عيونا على جوانب لم تكن لتتجسد بالقدر الكافي قبل ما سمي الربيع العربي، وأقصد هنا التطورات المتسارعة والخطيرة التي يعرفها محيطنا الإقليمي.

لقد كان الربيع العربي لحظة كبرى لإشراق شمس الديمقراطية والحرية محمولة على أحلام شباب يعيش العصر وينتمي إلى روحه. ثم دارت دوائر السياسة انتقل معها لون سياسي لمواقع الحكم، على الأقل في بلدين شقيقين، نطلب الله لهما الخروج من خطورة اللحظة بأقل الخسائر، وبوحدة وطنية ثابتة وصلبة،  ودماء مصانة.

لقد أضحت تجربتا هذين البلدين رغم قصرهما، مخزونا من الدروس لا ينضب، لعل أولها، أي تلك الدروس، أن صناديق الاقتراع لا تحمل تفويضا مطلقا يسري على كافة مناحي الحياة، وأن صناديق الاقتراع ليست منتهى الديمقراطية، بل مبتدأها، ورحم الله سيبويه، فالمبتدأ بدون خبر لا معنى له، وما الخبر سوى جمع الشمل بدل التفرقة، وبناء الوحدة بدل التشتيت، والإشراك بدل الإقصاء؛فيما لا إشراك مع التحكم، ولا إشراك مع الإجبار، ولا وحدة مع الاستفراد بالرأي، ولا شرعية مع صم الآذان وإغماض العيون أمام حقيقة بحجم محيطات وأمواج تفقأ العين.

إنها أمور ربما لدينا، نحن المغاربة، القدرة على فهمهاأكثر من غيرنا، لا فقط لأننا نراقب ما يحدث هناك من بعيد، جغرافيا، ونحمد الله على نعمة الاستقرار،  ولكننا في نفس الوقت نراقب من مسافة ثقافية تجعلنا بعيدين كذلك.. مسافة ثقافية اسمها “الاستثناء المغربي”.

حينما نتحدث عن الاستثناء المغربي، هناك من لا يجدون في التعبير غير دعوة للابتسام، إن لم يكن للسخرية، فيما يعتبر الاستثناء من البديهيات لدى من يعرفون المغرب، وحضارة المغرب، وتاريخ المغرب، وهوية المغرب، وقوة ومناعة المغرب، حق المعرفة.

لقد عشنا الربيع نحن كذلك، بنفس العنفوان وبنفس أحلام الشباب، وبنفس الطموحات من هنا ومن هنالك، ولكن مع فارق جوهري، يكمن في أن التعدد مكون بيولوجي عضوي للذات المغربية، وأن قواعد التعايش والتفاعل ثابتة، وأن الإقصاء وإرادة الهيمنة إن وقعا في لحظة ما، فلن يكونا سوى حادثة سير عابرة.

إنها – أيتها الأخوات، أيها الإخوة – واحدة من العناصر التي صنعت قناعات التجمع الوطني للأحرار، ومصدر أساسي للفخر والاعتزاز الذي يتقاسمه حزبنا مع المغاربة الواعين بتاريخ بلدهم، ذلك المغرب الذي لم يحدث أن طأطأ الرأس يوما، أو ارتضى لنفسه العيش تحت راية ليست رايته، حتى وإن كانت راية دول الخلافة، من الأموية إلى العثمانية.

إنه هذا الاستثناء الذي حمى بلادنا ورص صفوف أبنائه، كيفما كان اختلاف تقديراتهم، مجمعين على ثوابت البلاد هوية دينية وسطية وملكية دستورية واختيارا ديمقراطيا لا رجعة فيه، وانفتاحا ينير سبل استلهام انتصارات العصر لصالح التنمية والحرية وحقوق الانسان.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة،

إنكم وأنتم مدعوون لاتخاذ القرار الملائم، ما بين البقاء في صفوف المعارضة أو المشاركة في بناء أغلبية جديدة، ستستحضرون كل هذه الدروس، وستقفون مليا عند هذا الاستثناء المغربي، وستحددون أي المواقف سيكون أقرب إلى روحه، وأصلح لتقويته، انتصارا لمصلحة المغاربة قبل أي شيء آخر.

وإني لأصدقكم القول حين أؤكد أن هذه المناسبة كانت ولا تزال بالنسبة إلي امتحانا لرجاحة عقلنا الحزبي، لأن بيننا وبين إخواننا في حزب العدالة والتنمية مسافة قناعات ليست دائما متقاطعة، وأساليب عمل ليست دائما واحدة، وفي نفس الوقت بيننا وبينهم حرارة الانتماء إلى وطن نحضنه جميعا، وإلى شعب وزع ثقته بيننا وكل يتوسم الخير في اختياره، وبيننا وبينهم الانتماء لهذا الاستثناء المغربي الشامخ، وإن عبر كل بطريقته.

لهذه الأسباب كلها، ولدقتها، آثرت أن يكون التشاور أوسع وأشمل، برلمانيين، ومسؤولين محليين وعموم العاطفين، وصولا لمجلسكم التقريري هذا الذي سيكون قراره بمثابة الأرضية التي سيبني عليها الحزب خطواته العملية المقبلة.

أتمنى أن يحالفكم التوفيق في صواب الرأي وحسن الاختيار، صونا لمآل البلاد قبل الحزب، ولا تفوتني المناسبة كي أجدد باسمكم تهانينا لصاحب الجلالة في الذكرى الرابعة عشرة لتحمله الأمانة الكبرى، وأعبر باسمكم عن استعدادنا الدائم لخدمة بلادنا تحت قيادته الرشيدة من أي موقع كان. والسلام عليكم ورحمة الله.