منظمة الشبيبة التجمعية : الواقع والأفاق

يأتي سياق كتابة هذا “الرأي” في إطار الدينامية التي يشهدها البيت”التجمعي”، الحزب الذي اختار لنفسه المساهمة في بناء مشهد سياسي مبني على التعددية ، تلك الخاصية المميزة للشعب المغربي والتي تقضي منه المزيد من الانفتاح على عوالم مختلفة، فكانت مبادرة مؤسس الحزب “أحمد عصمان” بترسيخها عبر تأسيس كيان سياسي كفيل بالحفاظ على الخصوصية المغربية ، المولود النابع من رحم العصرنة والكونية وخدمة قضايا المواطنة بالإضافة للعمل على ترسيخ ثقافة التواصل المؤسساتي، المعطى البارز في جميع خطابات رؤساء الحزب من عصمان مرورا بالمنصوري فمزوار، ليأتي الدور على عزيز أخنوش الذي ثبت كونية الحزب قائلا” بان الخصوم هم البطالة ، الفقر ، الهشاشة …”

ستبقى محطة “أكادير” ، عربون وفاء لالتزامات رئيس الحزب تجاه جميع المناضلات والمناضلات ، عبر الإعلان على إحداث هياكل تنظيمية ، تستجيب لمنطق “المأسسة”، والتي ستسعى لإقحام المواطن وجعله في طليعة الحزب ومصدرا لاغنى عنه، في تحديد توجهات الحزب تجاه القضايا المطروحة، منظمة “المرأة التجمعية” ، “الشباب التجمعي” ، “التنظيمات الموازية “، “لجان المراقبة والتحكيم” ، إجراءات من “شأنها” تقنين العمل النضالي وجعله مرهون بتكوين فكري وثقافي قادر على إثبات علو كعب كل فرد منتمي للحزب، خاصة في ظل “الشعبوية” التي تطبع سلوكيات بعض الأحزاب ، الشيء الذي أدى إلى انحدار الخطاب السياسي والفكري في المغرب ، لذا فالمأسسة المنشودة ستجعل الحزب يشكل “الاستثناء” بلا منازع.

لا شك أن للشباب، “الفئة النشيطة” حسب مؤشر فاعلية النسيج الاجتماعي، الرصين الصارم، البليغ الصادق، في تنزيل رؤى وتوجهات الحزب ميدانيا، فالقدرة على التأثير والاستقطاب وإدارة الحملات الانتخابية وإنجاحها من مزاياهم، من يدافع عن مكانة الحزب، ويتخذ مواقف شجاعة في أوقات محرجة ، ليسوا إلا الشباب.

بالنظر لأداء المنظمات الشبابية للأحزاب الأخرى ، والتي لا يجب أن تصير نموذجا ، لا يمكنه إلا المطالبة بعدم الانسياق وراء “الهذيان” الذي تعيشه هذه التنظيمات ، لدرجة اتخاذها ككتائب الكترونية تنشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي للدفاع عن أحزابهم بطرق شعبوية، فينشرون صور أمناءهم العامين وقادة أحزابهم ، هذا ليس بالمشكل ، لكن الأفدح هو عدم وجود تصور برنامجي لهذه التنظيمات ، قد يوجد منخرط بهذه المنظمة لا يعرف تاريخ الحزب ولا توجهاته على صعيد القضايا المطروحة، وهنا تقع هذه الأحزاب في فخ “الشعبوية” (الكم بدون كيف) ، الأمر الذي من شأنه تكريس الجهل السياسي داخل الحزب نفسه.

المتأمل لخطاب الرئيس الجديد للحزب، سيلاحظ منذ الوهلة الأولى ، تشبثه بمفهوم “المؤسسة”، لذلك عمد لرفع شعار : “اغاراس…اغاراس”، للدلالة على النضال والتغيير المتسم بالمعقولية، يتخلى عن آفة “الشعبوية” في خطاباته ، بتجنب الدخول في جدال حول ما يمكن اعتبارهم “خصوم”، فالرجل يرفض اتخاذ أعداء أو العمل وفق منطق “تصفية الحسابات”، بتعامله المثبت لصفة “رجل دولة” التي يتمتع بها ، فإن تركيزه على مأسسة نضال الحزب ، عنصر بارز في خطاباته المتسمة بالتركيز وعدم استهلاك المدد الزمنية ، بالإضافة إلى كونية المحتوى وعمقه الأفكار المدرجة.

بانتخاب هياكل “المنظمة الفيدرالية للشباب التجمعي” ، فإن الرهان الأساسي هو ضمان التكاملية بين رؤى رئيس الحزب والمنظمة على مستوى الخطاب والتوجهات، بتجنب الدخول في صراعات “الكتائب الالكترونية”، ومحاولة تقديم “الشباب التجمعي” كنموذج حي للوعي السياسي، بتضمين بنية “مفاهيمية” مميزة لخطاب كل شباب التجمع، مع العمل على دمقرطة لجان المنظمة وهياكلها، بحيث تكون المسؤولية للأكفاء، وأصحاب التصورات الثاقبة القادرة على إيصال رسالة الحزب الكونية.

نضاف إلى ذلك ، العمل الدؤوب على تنظيم أوراش مفتوحة باستمرار للتواصل مع جميع المنخرطين ، وتنظيم ندوات وأيام دراسية لتحديد تموقع تنظيم الشباب وموقفه من التطورات الراهنة، بالاستناد لمواقف مؤسسة الرئاسة، فضلا عن الانفتاح على مجال الإعلام والاتصال، خاصة الاعلام الاجتماعي، الذي يجب استثماره لبناء صورة التنظيم المبني على آليات الماسسة ، وكذا العمل الجمعوي ودوره البارز في تأطير الشباب، عبر فتح هياكل تسمح بالتكوين المستمر سياسيا، ثقافيا وتواصليا لكل المنخرطين، لأن “تحبيب العمل الحزبي” في نفوس رجال الغد ، لن يأتي إلا بتقديم الإضافة لهم وتطوير مستواهم من أجل بناء حزب التواصل المؤسساتي بامتياز.

صفوة القول، إن انتخاب السيد “عزيز أخنوش” فرصة حقيقية لكل الجسم التجمعي، للانطلاق نحو إيصال خطاب سياسي، اجتماعي، مؤسساتي يتسم بالمسؤولية ودرء آفة “الشعبوية” التي أفسدت الحقل الثقافي بالبلاد ، مما أدى لعزوف عز نظيره، عن المشاركة والثقة في المؤسسات السياسية، لذا فالدعوة موجهة لطرح تصور برنامجي كفيل بإرجاع كل الفعاليات المجتمعية لحضن المؤسسات، ولن يتأتى ذلك، إلا بسياسة تكاملية بين مؤسسة الرئاسة والتنظيمات الموازية.

بقلم : علي يوسفي علوي